مأساة اسمها «الإجازة»
رغم كل الأمنيات الطيبة والحارة على مدار العام الدراسى بأن تأتى الإجازة سريعاً، يشهد على ذلك «الميم» الشهير عبر مواقع التواصل لشخصية «اللمبى»، وهو يسأل فى يومه الأول من السجن عن موعد يوم الخروج، إلا أنه وعقب يوم واحد فقط من الإجازة تبدأ مجموعة من الاكتشافات المرعبة والمعاناة غير المتوقّعة، صحيح أن الاضطرار إلى الاستيقاظ المبكر انتهى، لكن سلسلة من الآثار غير المتوقعة تبدأ فى الظهور.
تبدأ القصة فى كل مرة مع ذلك الخلل المتوقّع فى الساعة البيولوجية، هؤلاء الذين كانوا يستيقظون كل يوم فى الخامسة والسادسة صاروا يسهرون حتى الواحدة والثانية صباحاً وربما بعد ذلك، ويستيقظون مع أذان الظهر، تغييرات فى النوم تُؤثر على إيقاع الجسم، وتسبّب حسب بحث منشور فى دورية صحة المراهقين عام 2016 ارتفاع الشعور بالملل والقلق، وصولاً إلى الاكتئاب والضيق الشديد.
فراغ وملل مؤذيان، يسلمان الأولاد إلى المرحلة التالية، وهى المرحلة الأخطر، «مرحلة الفراغ الطويل»، تلك التى حذّرت منها دراسات فى علم النفس التنموى، لما تُسبّبه بدورها من اضطراب فى المزاج، له ما بعده من نتائج، أو كما أكد كل من لارسون وريتشاردز عام 1991 فى دراسة لهما، فإن الفراغ الطويل دون أنشطة مفيدة يؤدى إلى زيادة الشعور بالملل، ومن ثم القلق والاكتئاب، والنتيجة أطفال محبطون، يدورون فى دائرة جهنمية لا نهائية من البحث المحموم عن متعة ما، مع عُزلة نفسية وضيق شديد، ليبدأ الفصل الثالث من المأساة، وهو «زيادة استخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية»، هكذا تجد الأمهات فى أجهزة الموبايل والتابلت حلولاً سحرية، إنها الطريقة الوحيدة التى تجعلهم يكفون عن الحديث بلا هدف، والطلبات الخزعبلية التى لا رغبة حقيقية من ورائها، إنهم يصمتون ويهدأون أخيراً، وما أدراك ما وقع ذلك على نفس أم تسعى كالمحمومة بين حوض المطبخ، وغسالة الملابس، والسوبر ماركت والبوتاجاز وأحبال الغسيل من هذه إلى تلك تمضى بلا توقف، بينما الأولاد من حولها ليسوا سوى عقبات تقودها إلى جنون مطبق، لكن مهلاً، المأساة بهذه الطريقة تزيد، وحسب دراسة صادرة عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، فإن الإفراط فى استخدام الشاشات مرتبط بزيادة معدلات الاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وتشتّت الانتباه.
يتحول الصغار إلى قنابل موقوتة، بشر محبطين، مكتئبين، غاضبين، تزداد الأوزان بسبب قلة النشاط وارتفاع معدلات طلب الطعام بسبب الملل والشعور بالضيق، ويضطرب النظام الغذائى، حيث يغيب الروتين، وتتكلل المأساة بمشكلات صحية كثيرة، حيث تؤكد الأبحاث أن السهر يُقلل قدرة الجسم على إنتاج الخلايا المناعية، ويزيد الالتهابات فى الجسم، هكذا يصير الأولاد أكثر عرضة لنزلات البرد ومشكلات المعدة والهضم.
أتأمل تلك النتائج جميعاً، وأتذكر قول ابن القيم رحمه الله: «فهى النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وهو القلب إن لم تسكنه محبة الله عز وجل سكنته محبة المخلوقين ولابد، وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللغو وما هو عليك ولابد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها فى إحدى المنزلتين»، ربما الحل فى اجتماع واضح وجاد لكل الأطراف وجدول واضح لليوم، يتضمّن مهام منزلية ليست فضلاً ولا كرماً من الأولاد ذكوراً وإناثاً، وأوقاتاً مستقطعة لتعلم أمور جديدة وفق جدول زمنى، وبالتأكيد رياضة ما مدفوعة، أو حتى مجانية عبر مقاطع الفيديو، يبدو الأمر سهلاً من خلال الكتابة والحديث عنه من بعيد، لكننى أعلم كم الصعوبة التى تكتنف تنفيذ جدول مماثل، فى ظل أعباء يومية لانهائية على أكتاف الأمهات، أقول إن الأمر صعب، لكن تكلفة الضياع فى غياهب ملل الإجازة وبؤس البدائل المتاحة خلالها أصعب بكثير.