سياسة مصر الخارجية بين ثورة 30 يونيو والشرق الأوسط
خلال حضورى حفل إفطار الأسرة المصرية العام الماضى تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى عما يسمى سياسة الاتزان الاستراتيجى. المصطلح يفسر كثيراً من مسار التحرك المصرى سواء فى الداخل أو الخارج. لقد لعبت ثورة 30 يونيو دوراً فى صياغة سياسة الاتزان الاستراتيجى. وهو ما يجعل التساؤل حول تأثيرات ثورة يونيو على مصر والإقليم، وهل كان لقيام ثورة 30 يونيو تأثيراتها على الداخل المصرى فقط؟ الإجابة بالقطع لا. فقد امتدت تداعياتها لتشمل منطقة الشرق الأوسط. ليكون الأمر ليس مجرد إسقاط نظام الإخوان المسلمين فى مصر، بل إسقاط مشروع تيار الإسلام السياسى فى المنطقة ككل، وهو ما يعنى أنه لو كان قدر استمرار نظام الإخوان فى مصر لكان اكتسب ثقة فى نفسه ودعماً أكبر من حلفائه ليمتد إلى باقى المنطقة، لكن ثورة 30 يونيو هى من أسقطت مشروع تيار الإسلام السياسى إقليمياً، ذلك المشروع الذى استغل المظاهرات التى اندلعت فى مصر وبعض الدول العربية عام 2011 ليعلن صعود التيار الإسلامى، وهو ما كانت تروج له مراكز الفكر الغربية منذ 2005؛ فقد اقترحت تلك المراكز سيناريوهات تصعيد تيار الإسلام السياسى لتكون بديلة عن النظم العربية القائمة، وهو ما يفسر غضب الدول الغربية والولايات المتحدة حينها من مصر.
وقد كان لثورة يونيو دورها المهم فى رسم محددات السياسة الخارجية لمصر والتأكيد على بعض ثوابتها الراسخة منذ القدم. حيث كانت لمصر ثوابت دبلوماسية راسخة.
وكان نتيجة ما شهدته دول المنطقة ومصر منذ عام 2011 من مظاهرات أدت إلى فوضى عارمة استغلتها جماعة الإخوان المسلمين للانقضاض على الحكم وفق مخطط التمكين فى نهج الإخوان وتجاهل مبدأ مشاركة لا مغالبة الذى خدعت به القوى السياسية الأخرى الموجودة فى مصر، ثم التحول إلى العنف المسلح داخل مصر وتصاعد وتيرة العمليات الإرهابية داخل المدن المصرية وفى سيناء، أن أسهم ذلك فى التأكيد على محددات السياسة المصرية الخارجية بشكل عام، لا سيما أن ما حفظ مصر، عكس الدول التى شهدت أحداثاً مشابهة لما جرى منذ 2011، أن لديها مؤسسات قوية راسخة هى التى حفظت لها كدولة هيبتها وحدودها وأراضيها وسيادتها دون الانزلاق إلى التفكك لكيانات أخرى.
لذا تقوم سياسة مصر الخارجية على محددات تحكم السلوك الإقليمى والدولى لمصر ورؤيتها لنزاعات المنطقة، ومنها:
■ التأكيد على احترام سيادة الدول الأخرى وسلامة أراضيها من التفكك والانقسام.
■ احترام ودعم الدولة الوطنية القومية القائمة على المؤسسات المركزية وليس الولاءات الفرعية وتحت الدولة.
■ رفض التعامل مع الميليشيات والجماعات المسلحة ودعم الجيوش الوطنية.
■ تنويع العلاقات والشراكات الدولية؛ فقد نوعت مصر علاقاتها الاقتصادية والعسكرية دون الاقتصار على الولايات المتحدة فقط، لتفتح مجالات أخرى للتعاون مع أوروبا وروسيا والصين.
■ البعد عن الاستقطاب الإقليمى، بل تشكلت علاقات مصر وفقاً لمراعاة أبعاد الأمن القومى المصرى.
■ عدم اللجوء للقوة العسكرية لحل الأزمات، بل تغليب الحل الدبلوماسى.
■ التصدى لمشروع الشرق الأوسط الإسرائيلى القائم على استخدام القوة العسكرية لرسم المنطقة عبر محاولات تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين، فقد عملت مصر على حشد الرأى العام الإقليمى والدولى ضد مخطط التهجير والتصدى له بشتى الوسائل، مع استمرار دور الوساطة لوقف إطلاق النار ووضع خطة إعادة إعمار غزة، مع استمرار مصر فى الحفاظ على أمنها القومى وعدم الانزلاق للمخطط الإسرائيلى والتأكيد المستمر من قبَل مصر للإسرائيليين والولايات المتحدة على مراعاة ما يمكن أن يؤثر على السلام بين مصر وإسرائيل، وهو ما تعى مصر جيداً أن إسرائيل تتحسب له.
■ رفض الأحلاف الغربية، وهو إن كان مبدأ أصيلاً فى السياسة الخارجية المصرية ممتداً لعقود طويلة، لكن حديثاً أفشلت مصر مقترح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خلال ولايته الأولى لما يسمى بالناتو العربى أو الشرق أوسطى.
إن سياسة مصر الخارجية القائمة على مبدأ الاتزان الاستراتيجى تقوم على مراعاة الأمن القومى المصرى وأمن المنطقة العربية اللذين بالضرورة يؤثر كل منهما فى الآخر، بما يجعلها سياسة تتسم بالقوة الأخلاقية ومراعاة حقوق ومصالح الآخرين، لكن فى محيط إقليمى مشتعل تمتد تأثيراته إلى مصر بفعل موقع مصر الجغرافى وتماس حدودها مع دول النزاعات الحالية ربما يكون قليلاً من محاولة التدخل عبر استباق الأحداث وتقديم مبادرات ورؤى لحل الأزمات له أهمية فى المساهمة فى ممارسة تأثيرات أكبر على الفاعلين فى هذه الدول، بالفعل هناك تخوفات، فاستباق التدخل فى تلك الأزمات والتى لاعبوها هم الفاعلون من غير الدول والجماعات المسلحة، قد يهدد بأن تمتد الأعمال العدائية إليها، وهو ما يعنى أنها المعضلة الحقيقية التى تواجه السياسة الخارجية المصرية للتحرك بين إقليم مشتعل بفعل دول مفككة ليس بها سلطة مركزية وثوابت سياسية راسخة تحمل دلالات أخلاقية.