جريدة «الوطن» ومبادرة العبور لمحو الأمية

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

فى ذكرى مرور اثنى عشر عاماً على ثورة 30 يونيو، التى شكلت علامة فارقة فى تاريخ مصر الحديث، نظمت جريدة «الوطن» صالوناً ثقافياً شارك فيه عدد من أبرز المفكرين والمثقفين، وخلال صالون الوطن، أطلق الكاتب والروائى الكبير يوسف القعيد دعوة لمشروع وطنى قومى لمحو الأمية، مؤكداً أن الاحتفاء بالمعرفة لا يقل أهمية عن الانتصارات العسكرية، وأن الاحتفال بمحو أمية آخر مواطن مصرى يجب أن يكون حدثاً قومياً كبيراً، لا يقل أهمية عن محطات كبرى فى تاريخ الوطن، مثل ثورة 1919، وثورة 1952، وثورة 30 يونيو، لأن الأمية خطر داهم يهدد كيان الدولة ويجعلها عرضة للاختراق الفكرى، كما رحب «القعيد» بفكرة عودة الكتاتيب بوصفها مبادرة مجتمعية لإعادة إحياء التعليم الأولى، مؤكداً حسن اختيار القائمين عليها، مشيراً إلى أن السينما المصرية لها دور مهم فى تشكيل وعى الأجيال.

وفى تفاعل سريع مع هذه الدعوة، ثمّن العالم الأزهرى، وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهرى مبادرة الأستاذ القعيد، مؤكداً أن الوزارة داعمة ومتبنية للمشروع؛ لأن الأمية سواء كانت هجائية أو رقمية، تمثل عدواً خطيراً يفتك بالمجتمع المصرى، كما أعلنت جريدة «الوطن» عن إطلاق حملة صحفية كبرى لدعم هذه المبادرة.

ولعل هذا المقال يكون لبنة فى تدعيم الفكرة من منطلق أن محو الأمية لم يعد مجرد قضية تعليمية، بل صار ضرورة وطنية، ومسئولية حضارية، تتطلب تضافر الجميع: الدولة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، والمجتمع المدنى، فبلد مثل مصر بتاريخها العريق وحضارتها الممتدة، لا يليق أن يظل بين أبنائها من لا يقرأ ولا يكتب، أو من يحرم من أدوات العصر الرقمية، ولعل هذه الدعوة تكون بداية حقيقية لعبور جديد، لا يقل عظمة عن الثورات التى صاغت وجدان هذا الشعب، لأن الانتصار الحقيقى اليوم هو على الجهل والتهميش والتطرف.

ولا يمكن الكلام عن نهضة حقيقية من دون إنسان واعٍ، ولا وعى بلا معرفة، ولهذا فإن مشروع محو الأمية يجب ألا يُنظر إليه كعمل خيرى أو نشاط تعليمى محدود، أو حملة صحفية تأخذ عدة أيام ثم تنتهى، أو برنامج تليفزيونى، بل محو الأمية شرط أساسى لأى تقدم اجتماعى أو تنموى.

ذلك أن الأمية لا تضعف قدرة الفرد على القراءة فقط، بل تقطعه عن العالم، وتجعله أكثر قابلية للتهميش أو الاستغلال أو الغرق فى الخرافات والأفكار المتطرفة وسهولة الاستجابة لها، إذ كيف نحلم بمجتمع مقاوم للتطرف، أو متفاعل مع الواقع من أناس لا يعرفون كتابة أسمائهم؟

والمجتمع الذى لا يخطط لاجتثاث الأمية من جذورها وفق خطوات منظمة تشترك وتدعمها كافة مؤسسات الدولة سيظل يدور فى حلقة مفرغة من الفقر والبطالة والجهل، ولذا فإن المشروع القومى لمحو الأمية ليس فقط فرصة لتعليم القراءة والكتابة، بل هو وسيلة لإعادة دمج الملايين فى دورة الحياة، وتفعيل طاقتهم المعطلة، لأن الأمية بشقيها تنخر فى جسد المجتمع، ومهما بنت الدولة من طرق ومصانع، فإنها فى حاجة إلى بناء الإنسان أولاً.