معا نُضيء عقولا.. ونمحو الأمية

مصطفى عمار

مصطفى عمار

كاتب صحفي

لم يكن الكاتب الكبير يوسف القعيد يعبّر عن فكرة عابرة حين تمنّى فى ندوة «صالون الوطن» أن تتبنى الدولة المصرية مشروعاً قومياً شاملاً للقضاء على الأمية. لقد كان يتحدث عن حلم مؤجل، وحاجة وطنية مُلحَّة، وعبور جديد لا يقل أهمية عن عبور أكتوبر المجيد، إذا ما تحقق سيكون بمثابة انطلاقة نحو مستقبل أكثر وعياً وعدالة وتقدماً.

واستجابةً لهذه الدعوة الصادقة، بادرت جريدة «الوطن» - باعتبارها منبراً وطنياً تنويرياً - بإطلاق حملة صحفية كبرى تحت شعار: «معاً نُضىء عقولاً.. ونمحو الأمية»

الحملة تسعى إلى إحياء الوعى العام بخطورة الأمية وإشعال شرارة مشروع قومى يشترك فيه الجميع «حكومة ومجتمع مدنى وقطاع خاص ومؤسسات دينية وجامعات وإعلام وأحزاب سياسية ومواطنون»

حملة تسعى إلى إحياء الوعى العام بخطورة الأمية، وإلى إشعال شرارة مشروع قومى يشترك فيه الجميع: الحكومة، المجتمع المدنى، القطاع الخاص، المؤسسات الدينية، الجامعات، الإعلام، الأحزاب السياسية والمواطنون أنفسهم.

وقد جاءت بداية الحملة بمقال افتتاحى كتبه الأستاذ يوسف القعيد بعنوان: «الأمية خطر يتهدد الأجيال».

مقال عميق وصادق، رسم ملامح الخطر الذى تتعرض له أجيال متتالية حين يُسلب منها الحق فى التعليم والمعرفة، ويُفرض عليها البقاء فى ظلمات الجهل والعزلة.

واقع صعب.. ولكن يمكن تغييره

وفقاً للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، تُقدّر نسبة الأمية فى مصر بنحو ١٦.١% من السكان ممن هم فوق سن 15 عاماً، أى أكثر من 14 مليون مواطن مصرى يعيشون خارج دائرة المعرفة والقراءة والكتابة، فى وقت أصبح فيه العالم يركض بسرعة نحو الذكاء الاصطناعى والثورة الرقمية.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هى صفارات إنذار علينا جميعاً أن نسمعها. فكل طفل لا يتعلم، وكل شاب لا يقرأ، وكل أم لا تكتب اسمها؛ هو عبء إضافى على الاقتصاد، وخصم مباشر من رصيد التنمية، وسلاح مكسور فى معركة المستقبل.

القضاء على الأمية ليس ترفاً بل هو معركة وطنية كبرى.. ومثلما كانت المعركة ضد الإرهاب واجباً وطنياً فإن الجهاد ضد الجهل فرض عين على كل متعلم وكل مؤسسة.. وندعو كل مصرى ومصرية إلى أن تكون المبادرة قضيته

هل يمكننا الانتصار؟ نعم، وبكل تأكيد. فهذا الشعب استطاع أن يكسر هزيمة يونيو 1967، ويحولها إلى نصر أسطورى فى أكتوبر 1973، وهو نفسه الشعب الذى هزم الإرهاب، وأسقط مشروع الفوضى ودولة التقسيم بين 2011 و2013، وهو قادرٌ على أن يهزم الجهل، ويُعلن بعد خمس سنوات فقط أن مصر بلا أمية. ولسنا نبدأ من الصفر، فهناك نماذج مُلهمة وتجارب ناجحة يمكن البناء عليها:

تجربة هيئة محو الأمية فى الستينات، التى استطاعت خلال أقل من عِقد أن تُخفض «الأمية» بنسبة كبيرة.

مبادرات مؤسسات المجتمع المدنى فى الصعيد والدلتا، التى ربطت محو الأمية بتمكين المرأة والتدريب الحرفى.

تجربة بعض الدول الشقيقة مثل المغرب، التى دمجت التعليم فى المساجد والكنائس مع برامج محو الأمية، وحققت نتائج مبهرة.

إن حملة «الوطن» لا تطمح فقط إلى التوعية، بل تسعى إلى تحريك عجلة الفعل. لذلك، نفتح صفحات الجريدة لجميع قادة الفكر والرأى والخبرة، لعرض رؤاهم وتجاربهم وأفكارهم فى هذا الملف المصيرى. ونُثمّن عالياً الدعم الذى أبداه الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، للمبادرة، ونُشيد بالجهود التى أبدتها بعض الجامعات والأزهر الشريف ومؤسسات شبابية أبدت استعدادها للمشاركة.

ونقولها بوضوح: القضاء على الأمية ليس ترفاً، بل هو معركة وطنية كبرى.

ومثلما كانت المعركة ضد الإرهاب واجباً وطنياً، فإن الجهاد ضد الجهل فرض عين على كل متعلم وكل مؤسسة.

لذلك، ندعو كل مصرى ومصرية.. كل صحفى وكل إعلامى.. كل طالب وكل أستاذ، إلى أن يجعل من هذه المبادرة قضيته الشخصية. فلن نحتفل كمصريين بميلاد الجمهورية الجديدة، ما لم نُنهِ صفحة الأمية للأبد.

«معاً نُضىء عقولاً.. ونمحو الأمية»

هى ليست مجرد حملة صحفية، بل وعد شرف قطعته «الوطن» على نفسها، بأن تكون منارة فى طريق تنوير مصر، وبأن تكتب سطور التاريخ الجديد الذى يستحقه هذا الشعب العظيم.

فلنبدأ الآن.