يسرا زهران تكتب: نهاية العالم في محرقة نووية مدتها 72 دقيقة

كاتب صحفي

هذا كتاب موجّه للظرفاء أصحاب «الدم الخفيف» الذين يحلو لهم الهزل فى مواضع الجد، بالتعامل مع فكرة التهديد النووى على أنه فيلم «أكشن»، أو كأن مشهد إطلاق صواريخ نووية لا يختلف كثيراً فى نظرهم عن إطلاق «الشماريخ»، ولا يتردّدون فى إطلاق دعابات سمجة من نوعية «شعب لا يؤثر فيه النووى».. إلخ.

لا يوجد شىء اسمه «شعب لا يؤثر فيه النووى»، ولا يوجد ما هو أفظع من الحرب النووية لو اندلعت. الواقع المخيف الذى يحسب الكل حسابه هو أن الأسلحة النووية لو انطلقت من أى مكان فى العالم تجاه أى مكان آخر، فلا يوجد ما يمنع انطلاقها من الأماكن الأخرى. إنه تسلسل جهنمى لا يمكن أن يسيطر عليه أحد، ولن يظل فيه شعب واحد سليم. لن يكون هناك أحد بعيد عن الخطر. كارثة النهاية ستعم على الكل.

الحرب النووية لا ترحم

عندما يقف العالم على حافة الجنون، وتلوح قوى عظمى بالخيار النووى، بينما تسعى قوى أخرى بلا تحفّظ ولا تعقّل لتطوير أسلحة نووية، فلا بد أن يتّحد عقلاء الأرض لوقف انتشار تلك الأسلحة.

الجهل فى مثل هذا التوقيت، وفى مثل هذه الأمور ليس نعمة. نحن لا نملك ترف أن نُغلق أعيننا وندّعى أن خطر الحرب العالمية النووية لا يهدّد مصيرنا كبشر ما دام بعيداً عن مناطقنا الجغرافية. لا نملك أن نتغافل أو نتعامى عن واقع وجود آلاف الأسلحة والرؤوس والصواريخ النووية (قابلة دائماً للزيادة) تمتلكها أطراف متعدّدة، ويصوبها كل طرف نحو الآخر بمزيج من التحفّز والتوجّس والشك والخوف وجنون الارتياب.

لا يمكننا أن نطمئن لو عرفنا تفاصيل سيناريوهات الرعب التى تعدّها كل دولة للتعامل فى حالات الهجوم بأسلحة نووية عليها، وكيف تستعد لتحويل ذلك الهجوم المحدود عليها إلى حرب شاملة ضد الطرف المهاجم. حرب لن تلبث أن تتحول -رغم أنف وإرادة الجميع- إلى محرقة نووية تلتهم العالم بأكمله.

من أجل ذلك، وضعت الصحفية الأمريكية البارزة «آنى جاكوبسون» كتابها المروع «سيناريو الحرب النووية»، الذى صدر فى أواخر العام الماضى، حاملاً جهود صاحبته، المرشحة للحصول على جائزة «بوليتزر» (أرفع الجوائز الدولية فى مجال الصحافة الجادة التى أصبحت اليوم شبه منقرضة)، لترسم فيه ملامح ذلك الخطر الذى ينبغى أن يتوحّد العالم فى مواجهته: خطر الأسلحة النووية التى يمكن أن يتلاعب بها فى أى لحظة رجال مخابيل، يتّخذون قرارات جنونية لأسباب لا تقل عنهم خبلاً ولا جنوناً، قد تدفع الحضارات الإنسانية كلها إلى الفناء والانهيار.

كتبت «آنى جاكوبسون» كتابها كصرخة تحذير للعالم كى يستفيق أمام خطر انتشار الأسلحة النووية. كتبته كصدى صوت لكلمات الأمين العام «الرشيد» للأمم المتحدة «أنطونيو جوتريتش» الذى وجّه تحذيراً لصناع القرار العالمى فى خريف عام ٢٠٢٢، قائلاً: «إن الإنسانية على بُعد حسبة واحدة خاطئة، أو سوء تفاهم واحد من الفناء النووى. هذا جنون! لا بد علينا أن نعكس هذا المسار الذى نتحرك فيه». جاء كتاب «جاكوبسون» بينما كوريا الشمالية تتهم أمريكا بأن لديها «نية خبيثة لإشعال حرب نووية».

والرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» يقول لأوروبا وأمريكا إنه «لا يمزح»، وإن اللجوء للخيار النووى «ليس أمراً مُستبعداً» وسط تقلبات الحرب الروسية - الأوكرانية العجيبة التى لا تريد أن تنتهى.

جاء الكتاب بينما يتزايد عدد الدول «المارقة» التى تسعى لامتلاك سلاح نووى دون موافقة أمريكا، ودون حساب لعواقب استفزاز وإثارة سخط القوى النووية الكبرى.

كلها علامات تُنذر بالخطر والقلق، حتى لو لم تكن تصل إلى مرحلة التهديد الصريح. ما زال هناك ما يشبه الاتفاق الصامت حتى الآن بين الأطراف الدولية «النووية» المختلفة، بأن أحداً لن يصل به الجنون إلى حد إطلاق أسلحته النووية إلا إذا تعرّضت بلاده لتهديد وجودى لا يمكن مواجهته إلا بالحل النووى، لأن الكل يعرف أن الحرب النووية إذا اندلعت، فستكون الحرب الوحيدة (والأخيرة)، التى لا يربح فيها أحد. بل على العكس، سيخسر الجميع.

حتى الأطراف التى لا ناقة لها فيها ولا جمل.

لكن ماذا لو انهار هذا الاتفاق الصامت فى أى لحظة، ولأى سبب؟

جاء كتاب «آنى جاكوبسون» ليُبدّد من عقولنا ذلك الوهم المريح بأن التعرّض لهجوم نووى لا يعنى ولا يمس إلا الدولة التى تتعرّض له. جلست تلك المحررة العسكرية العتيدة، التى تعرف طريقها وسط دروب وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» (ووضعت من قبل كتاباً شديد الأهمية عن «عقل البنتاجون»، أو وحدة مشروعات أبحاث الدفاع المتقدّمة فيه، المعروفة باسم «داربا» التى لعبت دوراً محورياً فى اختراع «الإنترنت» الذى نعرفه الآن)، لتعقد لقاءات ومقابلات مع وزراء دفاع سابقين، ومسئولين فى مراكز قيادية حساسة فى الجيش الأمريكى وأجهزة المخابرات والأمن الرئاسى فى البيت الأبيض. نبشت بين أوراق ومذكرات علماء الصواريخ والأبحاث النووية الراحلين الذين سجّلوا ملاحظاتهم حول الرعب الذى وجدوا أنفسهم مشاركين فى تطويره. وتوصلت إلى محاضر جلسات واجتماعات لوزارة الدفاع الأمريكية، كانت تقبع تحت غطاء السرية قبل أن يكشف عنها أحد المشاركين فيها فى الأعوام الأخيرة.

يسرا زهران

بذلت «جاكوبسون» جهداً خرافياً فى جمع المعلومات المتاحة عن ذلك الملف الذى يحمل فى المعتاد أقصى درجات السرية لدى كل المتعاملين معه. والسبب أنها أرادت أن يكون كتابها حول الحرب النووية مرتكزاً على الحقائق، لا على الأوهام. لم تكتبه بمنطق أفلام «هوليوود»، التى تتخيل كارثة نووية لا يقدر على إيقافها إلا بطل الفيلم، بل أرادت أن تُثبت بالأدلة القاطعة أن الطريق الذى يسير فيه العالم الآن فى ما يتعلق بالتسليح النووى، لا يمكن أن يوجد فيه «بطل»، بل مجرد ضحايا، لأن السيناريو الفعلى الذى رسمته للحرب النووية فى كتابها، يفوق أكثر الأفلام الأمريكية رعباً وجنوناً.

وأكثر ما يثير الرعب فيه أنه مبنى على معلومات وأرقام وتقديرات فعلية لخبراء ومسئولين عسكريين أمريكيين لهم علاقة مباشرة بالموضوع.

بداية النهاية: دولة «مارقة» تضرب «واشنطن» بصاروخ نووى.. والرد الأمريكى يُهدد الأرض كلها بالهلاك فى الحرب الوحيدة والأخيرة التى لا يربح فيها أحد

وفى هذا التقدير لا تستغرق نهاية العالم لو اندلعت المحرقة النووية أكثر من ٧٢ دقيقة.

قسّمتها «جاكوبسون» فى كتابها بالدقيقة والثانية إلى ثلاث مراحل، تبدأ من انطلاق صاروخ واحد يحمل رأساً نووياً نحو الولايات المتحدة الأمريكية، لتبدأ سلسلة من التداعيات والأحداث الجنونية التى تُطلق الترسانة النووية الأمريكية والروسية، بالإضافة إلى الأسلحة النووية الأمريكية فى القواعد العسكرية لحلف شمال الأطلسى «الناتو» فى أوروبا. مراحل ثلاثة، لا تستغرق كل واحدة منها أكثر من ٢٤ دقيقة، تنتهى فيها الحياة فى نصف الكرة الأرضية الشمالى بالوفاة المباشرة أو تأثراً بالحروق أو الإشعاع الناجم عن استخدام الأسلحة النووية، بينما يتآكل ما يتبقى من سكان الكرة الأرضية تماماً فى موت مؤلم وبطىء.

وفى السيناريو الذى وضعته «جاكوبسون»، ينطلق هذا الصاروخ المشئوم من كوريا الشمالية نحو الولايات المتحدة الأمريكية.

هو تصور موجود بالفعل بتفاصيل متعدّدة فى ملفات الأجهزة الدفاعية والاستخباراتية الأمريكية، أوردته «جاكوبسون» فى كتابها قائلة عنه إنه قائم أساساً على تصور حدوث ضربة نووية مفاجئة، تتم غالباً عن طريق صاروخ باليستى عابر للقارات يحمل رأساً نووياً أو أكثر، ينطلق من دولة لا يمكن للأقمار الصناعية أو وسائل المراقبة المتطورة أن تخترقها. دولة لا تخضع الأنشطة والمنشآت النووية فيها للمراقبة والتفتيش الدوليين، ولا تتبع أى قواعد دولية فى ما يتعلق بتطوير أسلحتها.

كل الدول النووية تبلغ بعضها بتجارب إطلاق صواريخها حتى لا تندلع الحرب النووية بطريق الخطأ.. إلا كوريا الشمالية

كانت تلك الدولة فى تصور «جاكوبسون» هى كوريا الشمالية. وكان السيناريو الذى يضع تفاصيل ذلك الهجوم المحتمل يطلق عليه اسم «الصاعقة المباغتة» أو المفاجئة (التعبير الحرفى هو «صاعقة تنزل من السماء الصافية»، أى حدث شبه مستحيل) للدلالة على أنه هجوم صادم مفاجئ، لا تسبقه مقدمات يمكن رصدها مثل تحركات عسكرية على الأرض أو نشاط غير معتاد فى المنشآت النووية، ويحدث على نحو خاطف بسرعة البرق، بحيث لا يترك مجالاً كبيراً للمناورة أو الصد، ولا يكون أمام الولايات المتحدة إزاءه إلا الرد.

صاروخ «هواسونج-١٧» أو «الوحش» القادم من كوريا الشمالية ينهى الحياة فى نصف الكرة الأرضية بعد ٣٣ دقيقة من انطلاقه

هذا الكابوس الذى يأتى فى صورة صاروخ باليستى عابر للقارات من كوريا الشمالية، يحمل بدوره فى الملفات الأمريكية اسماً حركياً هو «الوحش» (اسمه الفعلى هو صاروخ «هواسونج-١٧»)، وهو الذى تقول عنه «جاكوبسون» إنه سيطلق محرقة نهاية العالم النووية بعد ٣٣ دقيقة من إطلاقه من العاصمة الكورية الشمالية «بيونج يانج»، أو بعد ٢٦ دقيقة و٤٠ ثانية لو تم إطلاق نوع مماثل له من العاصمة الروسية «موسكو».

ولكن كيف؟

التقديرات نقلتها «جاكوبسون» عن واحد من أهم علماء وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» فى الستينات، هو «هيرب يورك»، الذى أراد أن يحسب بدقة المدة التى يمكن أن يستغرقها صاروخ من هذا النوع إذا تم إطلاقه من روسيا السوفيتية (عندما كان الاتحاد السوفيتى هو القوة النووية الوحيدة المقابلة لأمريكا فى العالم) حتى يضرب هدفه فى إحدى المدن الأمريكية. وجمع «هيرب يورك» من أجل ذلك الهدف مجموعة علماء أطلق عليهم اسم «علماء جيسون»، توصلوا بتقديرهم إلى أن مثل هذا الصاروخ يحتاج بالضبط إلى ٢٦ دقيقة و٤٠ ثانية منذ لحظة إطلاقه من روسيا حتى يضرب أمريكا. أما فى حالة صاروخ «هواسونج-١٧» الكورى الشمالى، فقام «ثيودور باستول»، البروفيسير فى معهد «ماساشوسيتس» للتكنولوجيا الأمريكى بتعديل تلك التقديرات لتتناسب مع إطلاق الصاروخ النووى من شبه الجزيرة الكورية اليوم، وكانت النتيجة: أن الصاروخ الكورى الشمالى يحتاج فقط إلى ٣٣ دقيقة فى جميع مراحل إطلاقه وسيره لكى يصل إلى الولايات المتحدة، وتبدأ معه النهاية.

سياسة الردع تضمن ألا تُبادر دولة بالهجوم على قوة نووية عظمى إلا إذا أرادت الانتحار القومى

تلك الأوراق عثرت عليها «جاكوبسون» بين الأوراق الشخصية لعالم «البنتاجون» الأمريكى الذى ترك هذه الحسابات، كما تقول: «ربما لكى يعرف العالم ما يعرفه صناع السلاح وأصحاب قرار الحرب منذ سنوات دون أن يعلنوا عنه صراحة: إنه لا يوجد سبيل للفوز فى حرب نووية. إن الأحداث تجرى فيها بسرعة تفوق القدرة على التصور، وإن هذه السرعة التى تندلع بها الحرب النووية، ثم السرعة الرهيبة التى تتلاحق فيها تطوراتها وتداعياتها لا يمكن أن تنتهى إلا بمحرقة نووية شاملة. ربما لذلك كتب «هيرب يورك» فى ملاحظاته: «إن وجود تلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والقادرة على حمل رؤوس نووية تهدّدنا جميعاً بالهلاك. كان هذا الأمر صحيحاً فى الستينات وما زال صحيحاً حتى اليوم».

واليوم، كما تقول «جاكوبسون» فى كتابها: «إن هناك تسع دول تملك أسلحة نووية، هى الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة والهند وباكستان وإسرائيل، وكوريا الشمالية». كل تلك الدول، باستثناء كوريا الشمالية، تتواصل بشكل مباشر أو غير مباشر فى ما بينها عندما تجرى تجارب لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات، حتى لا تتصور دولة أخرى أن هذا الصاروخ موجه ضدها».

١٩٨٦ تجربة إطلاق للصواريخ الباليستية حول العالم عام ٢٠٢١ تضاعف عددها ثلاث مرات ونصف فى العام التالى بعد الحرب الروسية - الأوكرانية

تصف «جاكوبسون» هذا الحال فى كتابها، قائلة: «إن تجارب إطلاق الصواريخ العابرة للقارات ليست أمراً غير معتاد حول العالم. إلا أن عددها قد تزايد على نحو متسارع فى السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق. عام ٢٠٢١، رصدت الولايات المتحدة ١٩٦٨ عملية إطلاق لتلك الصواريخ حول العالم. ويقول الكولونيل «برايان دينارو»، المسئول فى قيادة أنظمة الفضاء الأمريكية: إن هذا الرقم قد تضاعف ثلاث مرات ونصف المرة خلال عام ٢٠٢٢ (أى بعد اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية). وحتى سبتمبر ٢٠٢٣، كانت روسيا تواصل إبلاغ الولايات المتحدة الأمريكية بتجاربها حول إطلاق الصواريخ الباليستية. فلا أحد يريد أن تندلع الحرب النووية بطريق الخطأ».

«الصاعقة المباغتة» هجوم مفاجئ بسرعة البرق على أمريكا بلا مقدمات يمكن رصدها كتحركات عسكرية أو نشاط غير معتاد فى المنشآت النووية

وتواصل: «كقاعدة عامة، فإن أى دولة تقوم بحدث مهم مثل تجربة إطلاق صاروخ باليستى، تقوم أيضاً الإبلاغ عنه للدول المجاورة، عادة عبر القنوات الدبلوماسية، أو القنوات الخلفية، أو أى نوع آخر من قنوات الاتصال. المهم أن يتم هذا الإبلاغ بشكل ما. الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو كوريا الشمالية. فى الفترة ما بين يناير ٢٠٢٢ ومايو ٢٠٢٣ أطلقت كوريا الشمالية ما يقرب من ١٠٠ صاروخ، من بينها صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية وعلى ضرب الولايات المتحدة، دون أن تعلن أو تبلغ أحداً بأى إطلاق منها. سبب ذلك، كما يقول المحلل الاستخباراتى الأمريكى «جوزيف بيمودز»: أنهم (فى كوريا الشمالية) يريدون الحفاظ على عنصر المفاجأة. أن يعزّزوا من دعايتهم بأنهم أمة قادرة وقوية. من أجل ذلك، فإن الأقمار الصناعية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية تظل «رابضة» فوق كوريا الشمالية، حتى ترصد أى انطلاق للصواريخ الباليستية منها، مُذ أول جزء من أجزاء الثانية لانطلاقها».

السرعة الرهيبة التى تتطور بها أحداث المواجهة النووية لا يمكن السيطرة عليها.. ولا تنتهى إلا بمحرقة شاملة

من هذا الواقع، انطلقت «جاكوبسون» إلى السيناريو الذى تتخيل فيه أن تلك الأقمار الصناعية رصدت بالفعل انطلاق صاروخ باليستى من كوريا الشمالية فى مسار يثير القلق: هو لا يتجه نحو الفضاء كعادة الصواريخ التى تحمل أقماراً صناعية، ولا نحو بحر اليابان، الذى يُعد مكاناً معتاداً لاستعراضات القوة الكورية الشمالية. كل أجهزة وأنظمة الإنذار المبكر الأمريكية تعمل بأقصى طاقتها من أجل تحليل البيانات الواردة إليها لتحديد طبيعة ذلك الإطلاق: هل هو مجرد اختبار استفزازى أم أنه هجوم نووى؟

ثم تأتى تأكيدات الأنظمة الدفاعية الأمريكية الأخرى لتؤكد أن هذا الصاروخ يتّجه بالفعل -كما يؤكد مساره- إلى مكان ما فى الولايات المتحدة الأمريكية، ربما يكون «نيويورك» أو العاصمة «واشنطن»، إلى مقر وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون».

هذا السيناريو الذى تطرحه «جاكوبسون» يختلف عن التصور العام السائد عن الطريقة التى يمكن أن تندلع بها حرب نووية: كأن يتم اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية وسط حرب دائرة بالفعل (كما فى حرب روسيا وأوكرانيا وأوروبا من ورائها)، أو توترات إقليمية تُنذر بخطر اللجوء للخيار النووى (كالتوتر بين الهند وباكستان). هى على العكس تفترض أن معظم النار من مستصغر الشرر، وأن سيناريو «الصاروخ الواحد»، الذى يتم إطلاقه فى لحظة جنونية، هو الأكثر قدرة على أن يتسبّب فى أشد الضرر فى ما بعد.

والسبب هو أن أحداً لن يُصدق فى البداية أن هناك من يفكر فى إطلاق هجوم على الولايات المتحدة بصاروخ واحد! وهو ما قد يجعل القيادة الأمريكية تستغرق مزيداً من الوقت للتأكد من هدف هذا الإطلاق قبل إبلاغ الرئيس الأمريكى بحدث يستدعى رداً رهيباً لا يمكن تصوره من جانب الولايات المتحدة على الطرف المهاجم.

يواصل كتاب «جاكوبسون» رواية السيناريو المتخيل، قائلاً: «فى تلك اللحظة هناك أمر واحد يدور فى ذهن كل من يتابع إطلاق الصاروخ الكورى الشمالى بعد ٣٠ ثانية من إطلاقه: صاروخ نووى واحد هو أمر غير معقول. لو كانت كوريا الشمالية تهاجم الولايات المتحدة بالفعل بصاروخ نووى، فسيُعد ذلك هجوماً يستدعى رداً من الجيش الأمريكى، بأوامر من الرئيس، يقوم على الاستخدام المفرط وغير المشروط للقوة النووية، وستكون نتيجته أن تمحى كوريا الشمالية من الوجود».

ويتابع الكتاب: «فى هذا العصر الذى تنتشر فيه الأسلحة النووية، فإن أى دولة تبلغ بها الحماقة حد التهور لاستباق الهجوم على الولايات المتحدة، هى دولة ترتكب ما يُشبه الانتحار القومى. هذا هو المحور الأساسى لفكرة «الردع» (التى تمنع أى دولة من إطلاق أسلحتها النووية منذ البداية، تحسّباً لرد من النوع نفسه). هذا الردع يتضمّن فكرة أن أى هجوم مفاجئ على أى قوة نووية عظمى لن يترتب عليه سوى التدمير الشامل والتام للدولة التى تشن ذلك الهجوم.

لذلك، فإن هذا الهجوم المفاجئ (أو الصاعقة المباغتة) لو تم، فلا بد أن يتم بطريقة «قطع رأس الأفعى» (أى القضاء التام على قيادة البلاد)، ولذلك أيضاً لا بد من استخدام كل الأسلحة النووية التى تمتلكها الدولة المهاجمة فى جعبتها، ولا تكتفى بإطلاق صاروخ واحد ضد دولة مثل الولايات المتحدة تمتلك ١٧٧٠ سلاحاً نووياً، يقبع معظمها فى حالة تأهب للانطلاق فى أى لحظة. وهو ما يقول عنه وزير الدفاع الأمريكى السابق «ويليام بيرى»: إن الهجوم على الولايات المتحدة بصاروخ نووى واحد لن يُعد أمراً معقولاً، ولذلك فإن غرابة الموقف سوف تستدعى الحصول على مزيد من المعلومات قبل إبلاغ الرئيس الأمريكى بما يحدث».

هو بالطبع نوع من الإرباك المقصود، كما ستظهر أحداث السيناريو الذى وضعته «جاكوبسون» فى ما بعد. ربما ينجح فى تأخير قرار الرد قليلاً، لكنه لن يمنع الولايات المتحدة من أن تتأهب لمواجهة هذا الهجوم المحتمل عليها بأسلوب خاص فى المواجهة الدفاعية النووية يحمل اسم «الإطلاق عند الإنذار».

وهو أسلوب يثير رعب الأمريكان أنفسهم قبل أى طرف آخر، ولا يكف العقلاء فيهم منذ سنوات عن المطالبة بإعادة النظر فيه، ويقدّم رؤساء البيت الأبيض المتعاقبون وعودهم بتغيير تلك السياسة النووية ولكن دون جدوى. رغم أنهم يعلمون أكثر من غيرهم أن هذا الأسلوب لو تم اللجوء إليه، فسيعنى بداية النهاية بأسرع مما يتصور الكل.

لكن هذه قصة أخرى.