97 يومًا وحيدة في الأطلسي.. قصة فتاة عشرينية حطمت الأرقام القياسية للتجديف
97 يومًا وحيدة في الأطلسي.. قصة فتاة عشرينية حطمت الأرقام القياسية للتجديف
بين أرصفة لاجوس في البرتغال وكايين في غيانا الفرنسية تمتد مسافة 3,794 ميلًا بحريًا تخترق المحيط الأطلسي بكل تقلباته الطقسية الشديدة من عواصف عاتية تأتي فجأة إلى شمس تحرق الأفق، تتراقص الأمواج وتتغير الحياة البحرية في طريق القوارب التي تبحر من جنوب أوروبا نحو أمريكا الجنوبية عبر خط الاستواء.
في هذا الفضاء الأزرق الواسع والمعزول، أبحرت الشابة البريطانية زارا لاكلان، ذات الـ21 عامًا، في قارب تجديف طوله 24 قدمًا، وخاضت رحلة منفردة استمرت نحو ثمانية أشهر، متحدية كل الصعاب لتكتب فصلًا جديدًا من الإنجازات التاريخية.
رحلة زارا من أوروبا إلى أمريكا الجنوبية
وبعد انطلاقها من ساحل لاجوس في 27 أكتوبر 2024، تمكنت زارا من تحقيق ثلاثة أرقام قياسية عالمية في موسوعة غينيس؛ كونها أول امرأة تجدف عبر المحيط الأطلسي من أوروبا إلى أمريكا الجنوبية (من البر الرئيسي إلى البر الرئيسي)، وأصغر شخص ينجز هذه الرحلة منفردًا، وأصغر امرأة تجدف بمفردها في أي محيط على الإطلاق، وقد أتمّت زارا رحلتها دون أي دعم خارجي أو توقف، مجدفة لمدة 97 يومًا و10 ساعات و20 دقيقة، بمعدل مذهل بلغ 17 ساعة تجديف يوميًا تقريبًا، بحسب ما ذكرت الصفحة الرسمية لموسوعة جينيس للأرقام القياسية.

وخلال مغامرتها، واجهت زارا تجارب لا تُصدق، بدءًا من لدغات أسماك الباراكودا ومشاهدات الحيتان القاتلة والأسماك الطائرة، وصولاً إلى الهلوسات الحية والعواصف المرعبة، وتأملت في جمال السماء المرصعة بالنجوم التي تنعكس على سطح المحيط الهادئ ليلاً، وعلى الرغم من كل هذه التحديات، صرحت زارا لموسوعة جينيس للأرقام القياسية بعد عودتها إلى إنجلترا بأنها استمتعت حقًا بالتجربة برمتها، وأنها ظنت أنها ستكون أكثر خوفًا مما كانت عليه، ومع ذلك، اعترفت بأن الرحلة كانت أكثر اضطرابًا مما كانت تتوقعه على الإطلاق.
زارا، البالغة من العمر 22 عامًا وطالبة فيزياء بريطانية ولدت في الولايات المتحدة ونشأت في المملكة المتحدة، لم تمارس التجديف إلا منذ خمس سنوات فقط، ولم ترَ قارب تجديف في المحيط من قبل أغسطس 2024، إذ كان هدفها من هذه الرحلة هو المتعة والرغبة في تعلم كل ما تستطيع عن شيء جديد، وعلى الرغم من خلفيتها غير البحرية، أدركت زارا أن طولها البالغ 5 أقدام و10 بوصات سيساعدها، لكنها كانت بحاجة إلى تدريب مكثف لتكون مستعدة لما قد يواجهها في المحيط الأطلسي وهي تحمل نفسها وقاربها وأكثر من 800 كيلوجرام من الإمدادات.

وبمساعدة مدربين متخصصين، قامت زارا بالتخطيط لمسارها، وعززت قوتها الجسدية، متوقعةً فقدان أكثر من ثلث وزنها، وأكملت أكثر من ثلاثة أشهر من التجديف المكثف في أنهار شرق إنجلترا، كما حظيت بدعم مالي من شركات متنوعة مثل «نساء في الرياضة» و«فرق القوات»، مما غطى تكاليف قاربها ولوازمه، وهو دعم فوجئت به وامتنت له كثيرًا نظرًا للتكلفة الباهظة لمثل هذه الرحلات الاستكشافية، ورغم مخاوف والديها، اللذين لم يصدقا في البداية أنها ستقوم بالرحلة، إلا أن زارا كانت مصممة، وبعد اتخاذ القرار في 2 يوليو، بدأت التدريب في 1 أغسطس وانطلقت في 27 أكتوبر، في فترة زمنية قصيرة جدًا مقارنةً بالحملات المعتادة لرحلات التجديف عبر المحيطات.

وصلت زارا إلى جنوب البرتغال في أواخر أكتوبر، مستعدةً للانطلاق مستغلة فرصة قصيرة من الطقس الجيد، ودّعت أحباءها وغادرت في 27 أكتوبر، متوقعةً أن تستغرق الرحلة حوالي 60 يومًا، لكن الطبيعة كان لها رأي آخر؛ فمنذ الأسبوع الأول، أدركت أن 60 يومًا لن تكون كافية بسبب غياب الرياح التجارية التي كان من المفترض أن تدعمها، فكانت تجدف 21 أو 22 ساعة يوميًا دون إحراز تقدم يذكر، مما سبب لها الدوار وفقدان التقدم الذي أحرزته، ووصفت 35 يومًا من أول 39 يومًا بأنها مدمرة للنفس، لكنها كانت تحفز نفسها بالقول إن كل ميل تقطعه هو ميل لن تضطر لتجديفه لاحقًا.

57 يومًا من العزلة التامة
وبعد مرورها بجزر الكناري، تحسن الطقس تدريجيًا، وبدأت زارا تتكيف مع روتينها اليومي الصارم، فكانت تجدف ما لا يقل عن 17 ساعة يوميًا، وتنام ما مجموعه أربع ساعات فقط، مقسمة إلى دورة نوم واحدة مدتها 90 دقيقة وقيلولة واحدة مدتها 20 دقيقة للحفاظ على طاقتها، ويبدأ يومها المعتاد عند منتصف الليل، وتجدف حتى الثالثة فجرًا، ثم تستريح لثلاث ساعات، ثم تجدف من السادسة صباحًا حتى منتصف النهار، تأخذ قيلولة، ثم تستمر في التجديف حتى التاسعة مساءً، فكان هذا الجدول يناسبها كشابة قادرة على العمل بكمية قليلة من النوم.
وظلت زارا على اتصال بفريقها عبر جهاز GPS وأحيانًا بصديقها، لكنها كانت وحيدة تمامًا معظم الوقت، وهي تجربة استمتعت بها بشكل مدهش، لكن بعد انقلاب قاربها في اليوم الأربعين تقريبًا، تعطل هاتفها، مما تركها في عزلة تامة لمدة 57 يومًا بلا موسيقى أو كتب صوتية، خلال هذه الفترة، بدأت تصاب بالهلوسات شبه اليومية بسبب الصمت المطلق وقلة النوم، إذ كانت ترى أمواجًا تتحول إلى خيول أو طيورًا تختفي بين بتلات الزهور، لكنها أكدت أن جميع تجاربها كانت ممتعة.

ولم تكن كل التجارب مثيرة للإعجاب، إذ تذكرت زارا لحظة مرعبة عندما كادت سفينة عملاقة تسحق قاربها بعد أن فشلت في رصدها على نظام التتبع الخاص بها، كما اضطرت إلى توخي الحذر الشديد بالقرب من مجموعة من الحيتان القاتلة، وتعرضت لهجمات من أسماك الباراكودا التي عضت جزءًا من قدمها، وسمكة قرش كانت تتبعها لمدة 45 دقيقة بعد أن رصدت جرحًا في ساقها، ومع ذلك عبّرت زارا عن دهشتها بجمال الحياة البحرية التي لم ترها من قبل، قائلة: «لقد كان الأمر في مجمله أمرًا لا يصدق، لقد رأيت أشياء لم أكن أعلم أنها حقيقية بالفعل».
ومع اقترابها من أمريكا الجنوبية، وجدت زارا صعوبة في استيعاب حجم إنجازها بعد قضائها ما يقرب من ثلث عامها في الماء، والخمسين يومًا الأخيرة في عزلة تامة، وعندما وصل قاربها إلى ساحل كايين بغيانا الفرنسية، لم تستوعب على الفور أنها وصلت إلى اليابسة، قائلةً: «لم أدرك أنني انتهيت. لم أدرك ما فعلته إلا بعد شهرين تقريبًا من انتهائي»، وشعرت بخيبة أمل طفيفة لأنها لم تتمكن من تحطيم الرقم القياسي الإجمالي لأسرع عبور منفرد (الذي كان قبل ولادتها)، لكنها تشعر بالامتنان لكل من سمح لها بتحقيق هذا الإنجاز.

وبعد تناول أول وجبة طازجة من سمك السلمون والخضراوات، وحصولها على قسط كافٍ من النوم، تمكنت زارا أخيرًا من التفكير في تجربتها، ووصفت شعورها بأنه رائع، معتبرة أن الرحلة أعدتها جيدًا لمستقبلها العسكري وعلمتها كيفية التغلب على قوى الطبيعة وعقلها، مؤكدة أنها استمتعت بالتجربة بأكملها، وتأمل في العودة إلى المحيط يومًا ما أو خوض مغامرة أخرى تحطم الأرقام القياسية، قائلة: «ربما ليس الماء مباشرةً، بل ربما آخر، لكن لا يزال لديّ بعض التسجيلات، وربما بعد عامين سأعود إلى المحيط».