«الفيل» و«الحمار» وبعدهما «أمريكا»!

أعلن الصديق الوفى القديم الذى تحول إلى عدو لدود، إيلون ماسك عن تأسيسه حزباً جديداً أطلق عليه اسم «أمريكا»، ولم يختر له رمزاً حتى الآن، ليصبح الحزب الثالث فى الولايات المتحدة، بعد الجمهورى رمز الفيل، والديمقراطى رمز «الحمار الوحشى».

لجأ ماسك إلى سلاح الحرب السياسية، بعد أن هزمه الرئيس الأمريكى ترامب فى حرب «التلاسن» بعد أن انقلبت صداقتهما إلى عداوة، فى أعقاب صدور قانون الضرائب الذى أصدره ترامب على غير رغبة ماسك، مما أدى إلى عزله من منصبه كوزير الكفاءة الحكومية، وخاض الطرفان حرب «تلاسن» عبر القنوات التليفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعى، وتابعها العالم كله، وهزم فيها ترامب صديقه القديم بالضربة القاضية، رغم أن الثانى يملك أكبر منصة للتواصل (X)، وجعله يتراجع عن كل تصريحاته وتهديداته بنشر فضائح الرئيس، وأثبتت هذه الحرب أن «السلطة» تغلب «الثروة»، حيث كان الصراع بين رئيس أقوى دولة فى العالم، وأغنى رجل فى العالم!

خطة ماسك خوض انتخابات مجلسى الشيوخ والنواب القادمة، على مقعدين فى الأول وثمانية مقاعد فى الثانى، لمحاولة عرقلة أى تشريعات لا تتوافق مع ماسك.. وستكون نتائج الانتخابات البرلمانية مؤشراً لماسك لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة فى ٢٠٢٩، خاصة أنه يرفع شعار أن الولايات المتحدة لا تستحق أن يظل يحكمها حزب واحد.. وفى الأغلب لن يخوض ترامب الانتخابات القادمة، لأنه استنفد عدد مرات توليه الرئاسة، إلا إذا تمكن من تعديل الدستور، أو وضع سيناريو آخر يوصله إلى كرسى الرئاسة مرة ثالثة، كأن يخوض الانتخابات كنائب لرئيس يدعمه، ثم يتنازل عن الرئاسة فيقفز هو مرة أخرى.. وسيدفع الحزب الجمهورى غالباً بعمدة كاليفورنيا (بعبع ترامب) وسيكون ثالثهما ماسك ممثلاً لحزب «أمريكا»، وهو مستعد طبعاً لإنفاق مئات الملايين من الدولارات، على حملته الانتخابية، التى ستكون الأعلى فى تاريخ الولايات المتحدة.

تجربة ترامب -كرجل أعمال- ونجاحه فى الوصول إلى كرسى الرئاسة أسالت لعاب معظم رجال الأعمال أمثال ماسك، خاصة الذين يريدون تأسيس إمبراطوريات صناعية ورأسمالية، بغض النظر عن كونهم منخرطين فى العمل السياسى أم لا، وإن كانوا صالحين لهذا المنصب أم لا، ونجاح ترامب فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة قلب كل موازين الانتخابات، فلم يعد التأييد السياسى أو الحزبى هو العامل الرئيسى فى النجاح، ولا قوة البرنامج الانتخابى، وإنما القدرة المالية على الإنفاق والوصول إلى أكبر عدد من الناخبين، خاصة المرحلة الشبابية، وإجادة استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، خاصة المتعلقة بالتواصل الاجتماعى، وماسك يملك كل هذه المؤهلات..

ستشهد السنوات المتبقية من عمر رئاسة ترامب تحركاً شعبياً من جانب ماسك، وسيتجنّب خلالها المساس أو الاقتراب من عدوه اللدود من قريب أو من بعيد، حتى لا يتعرّض للهزيمة مرة ثانية، وحتى يستطيع تنفيذ خطته للوصول إلى الرئاسة دون عراقيل، وهذا بالطبع سيُفقده سلاح انتقاد سياسات رئيس أمريكا المتخبّطة، والتى أدت إلى زيادة أسعار السلع الاستهلاكية، وفشله فى التعامل مع الأزمات الداخلية، والتى ترتب عليها اشتعال الموقف فى كاليفورنيا.. لكن ترامب لن يتركه «فى حاله» وسيحاول التحرش به، إما عن طريق عرقلة شركاته، أو بإصدار قوانين يرفضها ماسك، لجره إلى مواجهة أخرى قبل الوصول إلى محطة الانتخابات الرئاسية.

وقد لجأ إلى خطوة تأسيس حزب أمريكا بعد أن تعرقلت محاولات ماسك الانضمام إلى الحزب الديمقراطى، لتنفيذ مخططه للوصول إلى الرئاسة، بسبب مقاومة الحرس القديم فى الحزب، وكذلك من المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية. وتضاف إلى ذلك حملة التشويه التى قادها ماسك ضد الديمقراطيين أثناء دعمه حملة ترامب الرئاسية، قبل أن ينقلب حالهما ويصبحا أعداء..

وللأسف فإن التجربة الأمريكية -على مدار القرن الماضى- تتخذها بعض الدول كنموذج يُحتذى به يمكن تطبيقه، ووقتها سيحول النظام العالمى من سيطرة الرأسمالية للدول إلى سيطرة رأسمالية الأفراد لتنفيذ مصالح شخصية، وليس مصالح الشعوب.

لكنها السياسة التى كانت وما زالت وستظل لعبة قذرة.