مصر وليبيا
كانت ليبيا الدولة الشقيقة يومًا مضرب الأمثال في الغنى والاستقرار النسبي، لكنها تعيش منذ سقوط نظام القذافي عام 2011 مأساة وطنية مفتوحة على جراح لا تندمل، انزلقت البلاد إلى حالة من الفوضى والانقسام، وتحولت إلى ساحة تصارع بين قوى داخلية متناحرة ومصالح إقليمية ودولية متشابكة. ومصر، الجارة الكبرى، ليست بمنأى عن هذه النيران المستعرة، بل إن تأثير ما يجري في ليبيا يمتد إليها مباشرة، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. لذلك جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي أن «أمن واستقرار ليبيا من أمن واستقرار مصر».
تعيش مصر منذ سنوات حالة من الاستنفار الاستراتيجي، فحدودها الشرقية تشهد عدوانًا إسرائيليًا مأساويًا على فلسطين -غزة- له امتداداته الأمنية والإنسانية داخل الأراضي المصرية، أما حدودها الجنوبية مع السودان فقد دخلت مرحلة اضطراب عميق بعد اندلاع الحرب الأهلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ويظل الغرب الليبي هو الأخطر، إذ لا تفصل مصر عنه سوى حدود صحراوية طويلة ومفتوحة، مما يجعل من أمن ليبيا جزءًا لا يتجزّأ من الأمن القومي المصري.
إن نظرة فاحصة للمشهد الليبي تكشف عن تدخلات إقليمية ودولية مكثفة. لكل منها أجندته في ليبيا. فبينما تنحاز بعض القوى إلى حكومة طرابلس المدعومة من الغرب، تدعم أخرى الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، ومن ورائه مجلس النواب في طبرق، الذي يرأسه المستشار عقيلة صالح. ولم تكن هذه التدخلات من منطلق إنساني أو سياسي صرف، بل تتصل غالبًا بملفات الغاز في البحر المتوسط، وشبكات الهجرة غير الشرعية، وتجارة السلاح، وصراع النفوذ بين الشرق والغرب، وهو ما جعل من ليبيا نموذجًا صارخًا للصراع بالوكالة.
وفي هذا السياق شديد التعقيد، جاءت زيارة المستشار عقيلة صالح الأخيرة إلى مصر ولقاؤه بالرئيس عبد الفتاح السيسي كإشارة واضحة على عمق التنسيق المصري مع المؤسسات الرسمية الليبية في الشرق الليبي. وقد أعاد الرئيس السيسي، خلال هذا اللقاء، التأكيد على موقف مصر الثابت الذي ينطلق من مبدأ وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، ودعم جهود التسوية السياسية بعيدًا عن الحلول العسكرية أو الإملاءات الأجنبية.
وكانت عبارته الواضحة: «استقرار ليبيا هو كاستقرار مصر تمامًا»، بمثابة رسالة مزدوجة؛ أولها تطمين الشعب الليبي بأن مصر لا تسعى وراء مصلحة ضيقة، وثانيها تحذير ضمني للأطراف الإقليمية التي تعبث باستقرار ليبيا، بأن المساس بالجار الغربي يُعد مساسًا مباشرًا بالأمن القومي المصري.
اتبعت مصر منذ البداية نهجًا حكيمًا في الملف الليبي، لم تتورط في صراع مسلح، ولم ترضَ بأن تتحول ليبيا إلى ملعب لتصفية الحسابات الدولية على حساب شعبها، بل عملت على دعم الحل السياسي الشامل عبر ملتقيات القاهرة التي جمعت القبائل الليبية، ودعواتها المتكررة للحوار الوطني. والتنسيق مع الأمم المتحدة ودعم جهود المبعوثين الأمميين لحلحلة الأزمة. والتواصل المتوازن مع مختلف الأطراف. وتأمين الحدود الغربية بإجراءات مشددة لمنع تسلل الإرهابيين وتهريب السلاح، كما ترفض مصر دومًا التدخّلات الأجنبية، لأنها تُهدّد أمن المنطقة بأسرها.
إن سياسة مصر قائمة على مبدأ «اليد القوية والعقل الهادئ». فهي تسعى إلى دعم استقرار ليبيا دون أن تُستدرج إلى صدام مباشر مع أي طرف داخلي هناك أو خارجي. لذلك، فإن القاهرة تتبع سياسة النفس الطويل والتنسيق الإقليمي والدولي، مع ترك مسافة آمنة وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الجميع.
إن ليبيا ليست مجرد جارة لمصر، بل هي امتداد تاريخي وثقافي وأمني، وقد علّمتنا الجغرافيا أن الدول لا تُغيّر جيرانها. ومصر، بوزنها الكبير، تسعى لإنقاذ ليبيا من الحالة التي تهدّد بتحويلها إلى بؤرة ملتهبة على حدودها الغربية.
ومثلما قال الرئيس السيسي: «أمن ليبيا هو من أمن مصر»، فإن نجاح ليبيا في تحقيق الاستقرار سيكون بمثابة تحصين لجدار الأمن القومي المصري. وبهذا الفهم العميق والدور المتزن، تمضي مصر في طريقها الشائك، محاطة بالحدود الملتهبة، لكنها مصمّمة على تجاوزها بثبات الحكماء وحكمة التاريخ.