ثروت الخرباوي يكتب: شهادة على معركة الإخوان ضد الاقتصاد المصري
حين وقف عبدالفتاح السيسى أمام خريطة مصر، بعد أن صار رئيساً لا مرشحاً، لم يكن بين يديه دفتر حسابات.. بل ملف جراح، فمصر بعد 2014 لم تكن دولة تنهض من تعثر طارئ، بل وطنٌ خرج من جراح دامية، ومن اقتصاد يشبه الجسد المنهك بعد عملية بتر.
وقتئذ كان الاحتياطى النقدى يُقاس بالأسابيع، لا بالأشهر، فالاستثمار الأجنبى توارى، والسياحة تلقت ضربة من رصاص الإرهاب، بينما عجلة الإنتاج تدور ببطء المريض الذى أُنهك قلبه، وفوق ذلك، كانت آلة الشائعات تدق كطبول حرب، وصوت جماعة الإخوان - وإن اختبأ - لا يزال يحاول بثّ سمومه فى الشارع وفى الدولار معاً.
عند هذا المشهد، لم يكن أمام الدولة ترف التردد، ولا رفاهية التأجيل، لذلك لم يكن القرار حينها اقتصادياً فقط، بل كان وجودياً.
فى البداية كانت الخيارات التقليدية مطروحة: الاستدانة، الدعم المؤقت، طباعة النقود، لكن شيئاً فى ضمير الدولة رفض أن تُدار الأزمة كما تُدار صيدلية فى حى شعبى، كان ينبغى أن نبدأ باستعادة ثقة المواطن فى دولته، فكان لا بد من مشروع قومى جامع، مشروع يُعيد للناس ثقتهم، وللوطن هيبته، وللاقتصاد نبضه، وهكذا وُلد مشروع قناة السويس الجديدة:
لم يكن مجرى مائياً فحسب، ولكن كممر سياسى ونفسى، يفتح نافذة على الحلم، وخط استواء جديد للثقة، يردّ على من زعموا أن مصر لن تنهض أبداً.
ولأن إدارة الدولة ليست ندوة فكرية ولا مجرد بيانات تصدر من مكاتب مكيفة، كان لا بد من عمل يعيد بناء الدولة، وكأننا كنا نسابق الزمن؛ فأقمنا ما بين غمضة عين وانتباهتها مدناً جديدة تحاكى المستقبل بدلاً من التحلل فى عشوائيات الماضى، وشبكة طرق تربط ما انقطع، وكهرباء تعود، ومصانع تُعاد هيكلتها، وأرضاً تستعد لاستقبال الزرع والصناعة.
وبدأت الدولة تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادى شامل، لم يجامل أحداً، ولم يهرب من القرارات الصعبة، وكان هذا أشبه بعملية جراحية دقيقة فى غرفة طوارئ، لا تحتمل خطأ ولا رفاهية التسويق.
وخارج الغرف الرسمية، كان الإخوان وأشباههم يديرون حرباً نفسية واقتصادية شرسة، لم تتوقف حتى الآن، فكانت هناك محاولات منظمة يقوم بها الإخوان لإرباك السوق عبر شبكات توزيع موازية -فى الأرز، والسكر، والمحروقات- ولم يكن الهدف مجرد تعطيش السوق من السلع فقط، ولكن لكى يتولد لدى المواطن شعور عام بانعدام السيطرة من جانب الدولة.
حتى فى المشاريع القومية -كقناة السويس الجديدة أو محطات الكهرباء- كانت هناك حملة موازية تسعى لتقزيم المكاسب، وطرح سردية «الفساد والإخفاق»، لصناعة حالة إحباط جماعى تسهّل لهم الانقضاض على الحكم إذا بدأت الفوضى.
فبينما كانت الدولة تحاول أن تبنى جداراً للحماية الاقتصادية، كان هناك من يحاول أن يُحدث فيه شرخاً من الداخل، لكن -وهذا هو مربط الفرس- ما لم يفهمه خصوم الدولة أن الشعوب حين تشعر أن الأمن على المحك، قد تختلف على الأسعار، لكنها لا تفرط فى الاستقرار، ولكن الذى حدث بعد ذلك لم يكن فى الحسبان أبداً.
■■■
ليس من عادة التاريخ أن يمنح الشعوب فرصة الاختيار بين عاصفتين، لكنه منح مصر -فى ظرف سنوات قليلة- امتحاناً مزدوجاً: وباء عالمى لم يشهد البشر له مثيلاً منذ قرن، ثم حرب أوروبية أعادت العالم إلى لغة الخنادق وسقوط العملة أمام القمح.
فى تلك اللحظة، كانت مصر -التى أنهكها إرث من الفوضى بعد يناير ثم بعد وأثناء إرهاب الإخوان- تقف على رصيف الأحداث الكبرى، بين اقتصاد لا يزال يضمد جراحه، وشعب يتطلّع إلى الخروج من النفق.
لكن دعونا نعُد قليلاً إلى ذلك الوباء أولاً.
لم يكن «كورونا» فيروساً، بل كان زلزالاً فى هيئة فيروس، ترتب عليه أسواق تُغلق، وطائرات تتوقف، وسلاسل الإمداد تنكسر، والدول الكبرى تتساقط اقتصادياً كأوراق الخريف.
وفى الشرق، وقفت مصر، ليست على الهامش، لكنها أيضاً ليست فى قلب الترف، كان على الدولة أن تدفع الرواتب، وتوفر الخبز، وتحمى المعاشات، وتحافظ على الأمن، وكل ذلك فى ظل توقف السياحة، وانسحاب الاستثمارات.
فى هذا الفترة وحدها فقدت مصر ما يقرب من 10 مليارات دولار من دخل السياحة خلال شهور، ولم يكن ذلك رفاهية زائلة، بل كان دخلاً حيوياً كان يدعم الاقتصاد، ويعين على سداد الالتزامات، وبينما كانت دول بأكملها تعلن الإفلاس، ويهرب المستثمرون من الأسواق الناشئة، كانت مصر لا تزال تسدد رواتب موظفيها شهرياً، وتوزع الخبز على الفقراء.
والسؤال الذى لا يُطرح كفاية أمام الرأى العام من السياسيين والاقتصاديين: كيف صمدت مصر ولم تنهَر؟
ومع ذلك، فالجائحة لو كانت كساداً، فإن الحرب الروسية - الأوكرانية كانت مجاعة مقنّعة، فذلك العالم الذى كان يئن من المرض، تلقى رصاصة طائشة فى رئتيه، فقفز سعر القمح، وتضاعفت فاتورة الغذاء، وتوقفت صادرات أوكرانيا، واحتكرت روسيا الغاز والنفط، ولأن الجغرافيا لا ترحم، لذلك كانت مصر صاحبة الموقع الجغرافى الفريد فى قلب المعادلة، فحين كانت تستورد 80% من قمحها من روسيا وأوكرانيا، فجأةً أصبحت فاتورة القمح وحدها تستنزف أكثر من 5 مليارات دولار إضافية، ولم يكن ذلك عبئاً فقط على الحكومة، بل على رغيف المواطن نفسه، ولم يقف الأمر عند الخبز وحده، ولكن الأثر الأكبر هو خروج أموال ساخنة من مصر بنحو 20 مليار دولار، كانت تمثل استثماراً أجنبياً سريعاً، خرج هذا المال كما خرج من تركيا والهند والبرازيل، فارتفع الدولار، وانخفض الجنيه، وتصاعد التضخم، ولكن -وهنا بيت القصيد- لم تسقط العملة كما سقطت فى لبنان، ولم تتوقّف الرواتب كما حدث فى سريلانكا، ولم تدخل البلاد فى إفلاس كما جرى فى الأرجنتين.
وفى ظل هذه الأزمات، كانت جماعة الإخوان -بخبث سياسى واعٍ- تُعيد تكرار ما فعلته بعد ثورة يونيو ٢٠١٣ ولكن على مستوى الوعى الجمعى: فنشرت شائعة أن الدولة أهدرت احتياطيها، وأن الفقر سببه «مشاريع لا طائل منها» وضاعفت بث الإحباط، واستوردت منابر الفتنة الإعلامية من إسطنبول ولندن والدوحة، وروّجت عبر لجانها الإلكترونية أن الجائحة ليست السبب، بل «سوء الإدارة» وصوّرت عبر إعلامها ولجانها الإلكترونية وقنواتها الفضائية تلك القرارات الاقتصادية التى اتخذتها مصر لمواجهة الأزمة العالمية كأنها ضد الفقراء فقط، كان هذا ليس نقداً، بل كان جزءاً من مخطط حرب نفسية هدفه كسر ثقة المواطن فى الدولة، وزرع وهم السقوط الوشيك، لكن وعلى الرغم من فداحة الخسائر، ومكر الداخل والخارج، ظلت الدولة صامدة، فحين يُكتب التاريخ لن يتوقف عند رقم الدولار أمام الجنيه، بل عند السؤال الأهم:
هل انهارت الدولة؟ أم قاومت؟.
نعم، الأزمة طاحنة، والأسعار موجعة، والجنيه لم يتعاف بعد.. لكن السؤال الحقيقى ليس: لماذا ارتفعت الأسعار؟ بل: لماذا لم تنهَر مصر؟.
والإجابة ليست فى تقارير البنوك المركزية فقط، بل فى أعين الدولة الوطنية التى لم ترفع الرايات البيضاء مثل الدول التى استسلمت ورفعت راياتها البيضاء، ومصر فى النهاية لم تكن بمعزل عن العالم، لكنها أيضاً لم تستسلم لقانونه الجائر، فما فعلته مصر بعد 2014 لم يكن خطة اقتصادية بالمعنى الضيق، بل كان إعادة تأسيس لدولة خرجت من حافة الانهيار، ولذلك حين تُسجّل صفحات التاريخ الاقتصادى لهذه الأمة، لن تكون الأرقام وحدها هى الشاهد، بل سيكون الشاهد الأكبر أن هذا الوطن حين جُرِّد من مقوماته، لم يستسلم، بل بنى من الخراب مشروعاً للحياة.