كواليس رحلة العذاب والألم فى حياة الطفلة سامية جمال

كتب: إلهامي سمير

كواليس رحلة العذاب والألم فى حياة الطفلة سامية جمال

كواليس رحلة العذاب والألم فى حياة الطفلة سامية جمال

مع بداية 1955، بدأت مجلة الكواكب تنشر مذكرات سامية جمال، والتي كشفت فيها عن مأساة الطفولة التي عاشتها، والتي جعلتها صاحبة أقسى بداية في الوسط الفني المصري.

معاهدة مع الفقر

بدأت سامية الحلقة الأولى من المذكرات بالكشف عن طبيعة حياتها في ظل رعاية والدها ووالدتها المريضة، حيث قالت: «لست أذكر كيف وُلدت، كل ما أعرفه أنّني وُلدت في مدينة بني سويف، وأن أسرتي نزحت بعد ذلك إلى القاهرة طلبًا للعيش. كنا فقراء إلى أقصى حد، نعيش في بيت متواضع في حي كثير التواضع، غذاؤنا في أكثر أيامنا العيش والملح، ومع ذلك فقد عز علينا في كثير من الأيام. كان رب هذه الأسرة أبي، وقد كان على فقره من النوع الذي يحب أن تكون الكلمة في البيت له وحده، وقبل أن يتزوج أمي، كانت له زوجة أخرى رُزق منها بأولاد. فلما زُف إلى أمي بادر بطلاق زوجته الأولى ولفظها من البيت إلى الطريق، فقد كانت وحيدة لا تعرف لها مأوى غير هذا البيت. رقّ لها قلب أمي، فسألت أبي أن يُبقي على زوجته الأولى، وبعد رفض وثورة منه، وافق، وهكذا بقيت مطلقة أبي معنا كواحدة منا، تشاركنا الكفاف راضية مرضية، تنعم من أمي بصدر حنون، وتحرص أمي في كل مناسبة على إشعارها بأنها هي ـ مطلقة أبي ـ ربة هذا البيت».

تعلمت سامية من أمها كيف تكون كريمة على فقرها، راضية، تقابل كل الصعاب بابتسامة، غير أنّها فشلت في تطبيق نفس القاعدة حين سقطت أمها مريضة.

الصدمة الأولى

تقول سامية: «ذات يوم مرضت أمي ولزمت فراشها، وراحت صحتها تسوء يومًا بعد يوم دون أن نجد أجر الطبيب، ولو وجدناه لما وجدنا ثمن الدواء. وسرت رعشة في أوصالها، ولكن عينيها الكبيرتين لم تكُفَّا عن التطلع إليَّ وهما غارقتان في بحيرة من الدموع دون أن تقول شيئًا. وأخيرًا استجمعت قواها لتجذبني إلى صدرها، وأمسكت برأسي بين يديها وقالت: (لا يا سيدة.. مش هسيبك). وسيدة هو الاسم الذي كانت تؤثره لي أمي وتناديني به، فقد كان اسمي في شهادة الميلاد زينب. كان قلبي يستشعر شيئًا في الغيب، فصحت: (إوعي تسيبيني يا ماما.. إوعي)».

يومًا بعد آخر، اشتد المرض على والدة سامية، وتم نقلها إلى المستشفى، وذات يوم استيقظت سامية على وجوه غير معتادة في الشقة التي تعيش فيها، وبعد دقائق كان الكل يغادر الشقة، فتبعتهم حتى المستشفى، وهناك تسللت إلى «ثلاجة الموتى»، حيث كانت الصدمة الأولى في حياتها، حين رأت أمها جثة هامدة.

أول صفعة

تصف سامية المشهد وتقول: «دخلت إلى غرفة كبيرة بها عدد من الأسرة كالموائد، مغطاة بملاءات بيضاء، تحتها أجساد آدمية تنبعث منها رائحة غريبة، وفي منتصف الغرفة وجدت أمي نائمة على إحدى الموائد، فأقبلت عليها في فرحة مجنونة لأقنعها بأن تعود، وألا تهرب مني بعد الآن، وصحت بها أناديها وهي لا تصحو ولا تجيب. وكانت الملاءة التي تغطيها غارقة في الدماء، فرفعتها فإذا بي أرى أحشاء أمي بارزة من جسدها، فصرخت صرخة مدوية، وهرع الجميع إليَّ، وأمسكوني وحملوني إلى الخارج، حيث وجدت مطلقة أبي في انتظاري، لتهوي بيدها الثقيلة على وجهي في صفعة قوية وقاسية».

بعد الصفعة الأولى التي تلقتها من مطلقة أبيها، اعتادت سامية على الضربات والركلات التي كانت تستيقظ عليها وتنام هربًا منها، فيما تعودت أن ترفع عينيها قبل النوم كل ليلة لتطلب من الله أن ينقذها، بعد أن أدركت أن نهاية مأساتها لن تأتي على يد أحد من أهل الأرض، بحسب وصفها.

التعليم.. حلم لا يُغتفر

بمرور الوقت، فكرت سامية في أن تلتحق بالمدرسة كباقي إخوتها، وأمام رغبتها البريئة تلك، لم تجد إلا الاستنكار والضرب، وكأنها ارتكبت جرمًا.

كانت تراقب إخوتها وأبناء الجيران في حسرة، تتمنى أن تقرأ لتفك طلاسم الكتب، لكنها كلما تجرأت على الاقتراب من كتب إخوتها، كانت تتلقى عذابًا مضاعفًا. لقد كانت «مجرمة» في نظر زوجة أبيها، فقط لأنها أرادت أن تتعلم.

فأر.. أول صديق في رحلة الوحدة

في تلك الأثناء، لم تجد سامية في البيت إلا صديقًا واحدًا، فأرًا صغيرًا يعيش قرب سريرها، يشاركها العذاب ويتقاسم معها الخوف.

تقول سامية: «كنت أراه وهو يتسلل إلى ثيابهم فيثقبها، وطعامهم فيقضمه، فأحس بكثير من الراحة، وأشعر بصداقته، وكأنما ينتقم لي منهم فيما يأكلون وفيما يلبسون. كانوا يكثرون من مطاردته، ويحاولون ضربه بنعالهم، والقضاء عليه بأيديهم، تمامًا كما يفعلون معي، فأحس بأنّ هذا الفأر شريك حياتي، وأنّ مصير كل منا مرتبط بمصير الآخر. ولعله هو أحس بنفس الشعور، فكان يمر بي إذ هو في طريقه من جحره إلى جحره مطمئنًا، لا يخشاني ولا أخشاه. بل لعله كان يراني حين أفتح النافذة، وأرنو بعيني إلى السماء التي نعيش أنا وهو تحتها، في كهف من العذاب والحرمان…».

كواليس رحلة العذاب والألم فى حياة الطفلة سامية جمالكواليس رحلة العذاب والألم فى حياة الطفلة سامية جمال