شيكابالا.. حين تنحني الكرة للمتمرد النبيل

كتب: ياسر الشيمي

شيكابالا.. حين تنحني الكرة للمتمرد النبيل

شيكابالا.. حين تنحني الكرة للمتمرد النبيل

يعتزل شيكابالا كرة القدم، كما يختتم شاعر قصيدته الأخيرة فى صمت، دون ضجيج مفتعل ولا مؤتمرات وداعية مصطنعة، فالرجل الذى لطالما راوغ الجميع -داخل الملعب وخارجه- يعرف كيف يغلق الستار بالتمريرة السحرية نفسها، التى فتح بها قلوب الجماهير.

وبينما تطوى الجماهير صفحة «الفهد الأسمر»، يبدو كتاب «شيكابالا.. المتمرد النبيل» للكاتب أشرف بيدس، الصادر فى 268 صفحة، كأنه رسالة الوداع التى كُتبت قبل موعدها، وسيرة كروية وإنسانية تعيد رسم حدود الأسطورة دون مبالغة ولا تزييف.

شيكابالا

رسالة وداع كتبت قبل موعدها وسيرة كروية وإنسانية تعيد رسم حدود الأسطورة دون مبالغة أو تزييف

الكتاب يبدأ من البداية الحقيقية، من قرية «الحصايا» فى إدفو بمحافظة أسوان، حيث وُلد الطفل الذى كانت قدماه تعرفان الطريق إلى المرمى، قبل أن تعرفا طريق المدرسة.

من مدرسة الموهوبين إلى ناشئى الزمالك، ثم الاحتراف المبكر فى نادى باوك اليونانى، حيث سُجّل اسمه بين جماهير لا تتحدّث العربية، لكنه خاطبها بلغة الكرة، التى لا تحتاج إلى ترجمة.

طريقه لم يُفرش بالورود يوماً، إذ كان وعراً بالمطبات والخذلان، اقترب من الأهلى، وغادر ميت عقبة أكثر من مرة، واحترف فى الإمارات والبرتغال والسعودية، وعاد، وابتعد، وخاصم، ثم تصالح مع كل شىء إلا شيئاً واحداً: «حب الزمالك»، هذا العشق الذى لم ينقطع رغم المسافات والانقطاعات، هو الخيط الذى نسج منه الكتاب حكايته: ليس لاعباً فقط، بل مشجع داخل الملعب، وقائد خارجه.

الكتاب لا يكتفى بالسرد فقط، حيث يفتح سراديب الحكاية، يرصد المعارك، والانفعالات، والمعارضات، والخذلان، يعرض شهادات لخبراء من مصر والعالم العربى والغربى، رأوا فيه لاعباً فذاً نادر الموهبة، يُحتفى به كرمز زملكاوى، وكواحد من «كباتن» الفريق الذين لا تكرّرهم الذاكرة.

لكن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن فى صدقه، لا يُجمّل الصورة، بل يُظهرها بتفاصيلها: عظيم المجد، نعم، لكنه أيضاً صاحب أخطاء كثيرة، دافعاً القارئ، دون قصد، لاستعارة بيت «الجواهرى» الخالد:

«عظيمُ المجدِ والأخطاءِ.. تمضى

كما تمضى الأساطيرُ الجِسامُ»

وفى لحظة ما، تصعد إلى الذاكرة كلمات أحمد فؤاد نجم، حين كتب عن زعيمٍ لا يُختصر فى خط مستقيم:

«عمل حاجات معجزة.. وحاجات كتير خابت

وعاش ومات وسطنا.. على طبعنا ثابت»

كم يليق هذا الوصف بشيكابالا، فهو اللاعب الذى فعل المستحيل حين أعاد الزمالك إلى المجد، وهو نفسه الذى أضاع بعضاً من فرصه حين غضب أكثر ما ينبغى، أو سكت حين كان عليه أن يصرخ، لكنه فى كل الأحوال، لم يخُن صورته، ظل كما هو: «المتمرد النبيل»، الذى يرفض الخنوع، ويحمل قلباً لا ينحنى.

ويُضىء الكتاب تفاصيل محبة الجماهير، تلك التى تجاوزت المنطق والنتائج، فتغنّت باسمه فى كل مباراة، واحتشدت خلفه، لا لأنه فقط يبدع، بل لأنه يُشبههم، أحزانهم من نسيج حزنه، وفرحتهم من لحن فرحته، كيف لا؟، وهو الذى قال الغلاف عنه: «تخيل لو لم يكن لاعباً ساحراً.. هل يمكن أن يكون طبيباً؟ مهندساً؟ حتى الخيال يسخر من السؤال.. هو لاعب كرة قدم، وهذه مهنته الأبدية، التى لا يمكن تزويقها ولا استبدالها».

لقد كان بحق، الآباتشى الملهم، الفنان الموهوب، والصوت الذى هتف بالكرة لا لها، حريف من طراز نادر، يملك مفاتيح السحر ولا يفشيها لأحد.

واليوم، حين يغادر، لا يُسلّم شارة الكابتن فقط، بل يترك فراغاً لا يُسد، فقد صار من العسير أن يحتل نجم آخر تلك المكانة التى حظى بها، لا لأنهم أقل منه، بل لأن الزمن نفسه لا يعيد نسخته الأصلية.

من الصعب الكتابة عن نهاية لاعب مثل شيكابالا، ليس فقط لأنه اسم كبير فى الكرة المصرية، بل لأنه حالة، وتاريخ، ومزاج عام، اعتزال الفهد الأسمر لا يشبه اعتزال أى نجم آخر، هو وداعٌ لآخر الشعراء فى زمن لا يكتب فيه أحد، لآخر الراقصين على عشب الحقيقة.

إن الكرة التى كانت تنحنى حباً وخجلاً وإجلالاً لـ«شيكابالا»، ليس لأنه الأكثر تهديفاً، بل لأنه الأكثر صدقاً، وجماهيرها العاشقة ستظل تردد اسمه كلما داعبها الحنين إلى المتعة الحقيقية.


مواضيع متعلقة