الشيخ خالد الجمل يكتب: مبادرة «محو الأمية».. بوابة نهضة العقول وتحرير الإنسان

كاتب صحفي

معلوم أن الأمية إحدى أخطر الآفات التى تُصيب المجتمعات وتعيق نهضتها وتقدّمها. فحين يُحرم الإنسان من نعمة القراءة والكتابة، يُحرم من أهم وسيلة للتعلّم والتفكير، فيصبح فريسة للجهل، مما ينعكس سلباً على الفرد والأسرة بل والمجتمع كله. لذا، فإن محو الأمية ليس مجرد خطوة تعليمية، بل هو مشروع حضارى وإنسانى، يُمثل مفتاح النهضة لكل أمة تسعى للتقدم والازدهار. ولعلنا نلاحظ أن أول ما نزل من القرآن كان دعوة إلى القراءة فكانت أول آية نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ». وهذا أمرٌ مباشرٌ بالقراءة، إيذاناً بأن الإسلام دين علم ومعرفة لا جهل وأمية. وليس من المصادفة أن تكون بداية الرسالة الربانية بكلمة «اقرأ»، لتُعلن عن قدسية العلم وأهمية المعرفة فى بناء الإنسان والمجتمع. ويقول الله تعالى «قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ». فهذا الاستفهام يحمل فى طياته تعظيماً لأهل العلم، وذماً لحال الجهل، وتأكيداً على أن الوعى والمعرفة هما أساس التميز الحقيقى بين الناس. وهنا أحب أن أوضح أن مسئولية القضاء على الأمية لا تقع على كاهل الحكومة فقط، بل هى مسئولية المجتمع بأكمله: الأسرة، والمدرسة، والمسجد، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدنى. فلا نهضة حقيقية بدون تمكين الناس من المعرفة، ومساعدتهم على اكتساب مهارات القراءة والكتابة، مهما كانت أعمارهم.

وهنا يجب أن أحيى مؤسسة «الوطن» الصحفية المحترمة تحية شكر وإجلال على مبادرتها المهمة التى أطلقتها أخيراً لمحو الأمية.. تلك المبادرة التى أتمنى أن يحالفها التوفيق والنجاح والدعم من كافة مؤسسات الدولة، حيث إننى أرى أن هذه المبادرة متى تم الاهتمام بها ونشرها فى كافة أنحاء مصر قد يكون لها أثر عظيم فى تنمية الأمة وزيادة الوعى العام لدى كافة طوائف الشعب، مما قد يكون له انعكاس أساسى فى نهضة وتقدم مصرنا الحبيبة.

والمتابع للواقع يعلم جيداً أن الجهل بالقراءة والكتابة يمنع الإنسان من التعامل مع مصادر المعرفة الحديثة، ويجعله عاجزاً عن الاستفادة من التكنولوجيا، أو فهم القوانين والاستفادة منها واحترامها، أو متابعة التطورات الصحية والاقتصادية للاستفادة منها، مما قد يؤدى إلى مشكلات عديدة كزيادة نِسَب الفقر والبطالة وارتفاع معدلات المرض والجهل بحقوق الإنسان وانتشار الخرافات والشائعات.

انظر إلى حرص النبى، صلى الله عليه وسلم، على التعليم ومحو الأمية حتى فى أحلك الظروف، ففى غزوة بدر جعل من فداء الأسرى أن يُعلم كل واحد منهم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة. وهذا يُظهر بجلاء عظمة التعليم فى الإسلام، واعتباره أداة للتحرير، لا وسيلة للترف.

لذلك نجد أن السنة النبوية الشريفة ذكرت أحاديث عدة عن أهمية محو الأمية.. فعن النبى، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة». وقال، صلى الله عليه وسلم، أيضاً: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».

إن محو الأمية ليس مجرد تعليم الحروف، بل هو بناء للعقول وتحرير للإنسان من أسر الجهل. وهو الخطوة الأولى نحو نهضة حضارية شاملة، ترتكز على الوعى والمعرفة. وقد صدق الشاعر حيث قال: «العلم يرفع بيوتاً لا عماد لها، والجهل يهدم بيوت العز والكرم».

فلنُسهم جميعاً فى دعم برامج محو الأمية، ولنجعل من كل فرد متعلم نوراً فى درب النهضة والتقدم.

الداعية الإسلامي والخطيب بالأوقاف