محمود مرزوق يكتب: عاصمة القهوة

كاتب صحفي

قبل قرابة خمسة قرون مضت كانت القهوة جزءاً لا يتجزأ من الروتين اليومى لعموم المصريين، ليس هذا فحسب، بل كانت ركناً أصيلاً فى تاريخنا الاجتماعى والاقتصادى.

المؤرخ الفرنسى أندريه ريمون روى لنا تاريخ القهوة التى ظهرت فى بلاد الحبشة وازدهرت زراعتها فى اليمن، ومن ثم انتشرت فى مصر والحجاز فى القرن السادس عشر. وأول من داوم على احتساء القهوة كان المتصوفة أثناء حضرات الذكر.

بطبيعة الحال، وأسوة بكل جديد غير مألوف، أفتى بعض رجال الدين بحُرمة تناولها لأنها تُخرج الإنسان عن مألوفه، لكن سرعان ما تم تطبيع العلاقات مع هذا الشراب السحرى، وأصبح عشاقها يسمونها «شراب أهل الله».

فى هذا الزمان، كانت مصر، بحكم موقعها الجغرافى، معقلاً لتجارة الترانزيت، حيث تأتى البضائع من الشرق والغرب ليشتريها تجار مصريون، ومن ثم يُعاد بيعها لأقطار أخرى.

ولذلك كانت مصر هى محطة الانطلاق التى عرف منها العالم القهوة، بداية من بلاد الشام والحجاز، مروراً بولايات الدولة العثمانية.

وعندما زار الرحالة الفرنسى هنرى كاستيلا القاهرة عام ١٦٠٠م، لاحظ أن الحانات تعج ليل نهار بروادها الذين يداومون على شرب سائل ساخن أسود اللون، وهذا ما يؤكد أن المصريين شربوا القهوة قبل أن يعرفها الأوروبيون بزمن طويل يقارب القرن.

وبحلول عام ١٦٠٥م، قرر كلٌّ من إسماعيل أبوطاقية وعبدالقادر الدميرى ومصطفى الصفدى، وهم ثلاثة تجار مصريين، تأسيس شراكة لاستيراد البن من اليمن، وتحديداً عبر ميناء «المخا»، ومن ثم تصديره للخارج بعد تغطية استهلاك السوق المحلى.

كان البن اليمنى وقتئذ هو أجود أنواع البن المتاحة، وذاع صيت القهوة الواردة عبر ميناء «المخا» القريب من مدينة تعز، حتى ارتبط اسمه بإحدى أشهر طرق إعداد القهوة «الموكا»، وما هى إلا نطق غربى لكلمة «المخا».

وهكذا نجح أبوطاقية وشركاؤه فى تصدير القهوة لتجار البندقية، وبدورهم نشروها فى ربوع أوروبا. وكان تذوق القهوة صدمة لكل من جرّبها، إذ جرت العادة أن يتناول الناس مشروبات تُغيبهم عن الوعى، أما تناول مشروب له تأثير مُنبِّه فكانت مفاجأة صُنعت فى اليمن ونشرها المصريون.

أما فى القاهرة، فكان المصريون قد وطّدوا علاقتهم بالقهوة لدرجة أن بيوت ذوى اليسار كان بها «كرّار»؛ مخزن مخصص لتخزين قناطير مقنطرة من القهوة الجيدة.

ولا عجب، فهذه البيوت كانت مفتوحة باستمرار لاستقبال الضيوف، الذين تجرى طقوس استقبالهم بإعداد الطعام، يعقبه تقديم الدخان والقهوة، وعقب نهاية واجب الضيافة ينثر صاحب البيت على ضيوفه عطراً فواحاً قائلاً وهو يودّعهم: «فارقنا بريحٍ حسن».

وهكذا لم تكن القهوة مجرّد شراب، بل كانت جزءاً من نسيج الحياة، ومفتاحاً من مفاتيح الودّ، وعنواناً للكرم والذوق الرفيع. تسللت القهوة إلى الوجدان المصرى فاحتلّت فيه مكانة لا تُزاح، وتحوّلت من مشروب صوفى يُحتسى فى الخفاء إلى رمز اجتماعى يُتفاخر به فى مجالس العلية والناس.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت القاهرة بحق عاصمة القهوة فى المشرق، ليس فقط لأنها كانت سوقاً رئيسية لها، بل لأنها منحتها طابعاً حضارياً وروحياً استثنائياً، وصاغت حولها طقوساً ومفرداتٍ دخلت فى صُلب الثقافة اليومية.

وفى زمن كانت فيه العواصم تتباهى بالحرير والتوابل والعنبر، كانت القاهرة تتباهى بالقهوة، تعبق أزقتها برائحتها، وتزدحم مقاهيها بروادها، وتحمل سفنها البن اليمنى إلى أطراف الأرض، حتى باتت مصر بحقّ بوابة عبور القهوة إلى العالم.