التنظيمات السياسية للثورة
مع بداية عام 1953، كانت ثورة يوليو نجحت في كسب ثقة الشارع، لكنها أدركت أن الحفاظ على الزخم الشعبي يتطلب ما هو أكثر من القرارات الجريئة والشعارات الثورية. فقد بدأت الأصوات تتعالى مطالبة بتفعيل المشاركة السياسية وتنظيم العمل الجماهيري. وكان على قادة الثورة، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، أن يصوغوا آلية جديدة تملأ الفراغ السياسي الذي خلّفه حل الأحزاب.
وهكذا وُلدت هيئة التحرير في يناير 1953، كأول تنظيم سياسي رسمي يعبر عن أهداف الثورة ويضم تحت رايته المواطنين الراغبين في الإسهام في بناء مصر الجديدة وذلك بعد أسبوع واحد من قرار حل الأحزاب. كان جمال عبد الناصر من اقترح تأسيس الهيئة، وتولى بنفسه رئاستها. لم تكن الهيئة حزبًا بالمعنى التقليدي، بل كانت كيانًا جامعًا يتجاوز العصبيات الحزبية الضيقة، وكان شعارها هو الاتحاد- النظام- العمل، وأهدافها: التخلص من الاستعمار في وادي النيل، تحقيق مصالح الشعب في الحياة الحرة الكريمة وإقامة مجتمع جديد على أسس من الإيمان بالله والإخلاص للوطن وتعزيز الثقة بالنفس وتوعية الناس.
لعبت الهيئة دورًا محوريًا في تعبئة الرأي العام خلف الثورة، ونظّمت حملات توعية، ومهرجانات خطابية، وأسهمت في تثبيت الخطاب الوطني في الريف والحضر على حد سواء. وبدت في ظاهرها هيئة تثقيفية وتعبوية، لكنها كانت في الحقيقة معملًا سياسيًا لصناعة الكوادر وإعداد الصف الثاني من القيادات، وتكوين قاعدة شعبية للنظام الجديد، بعيدًا عن شبهة التوريث الحزبي أو الطبقي.
كان هدف عبد الناصر أن تكون «هيئة التحرير» نموذجًا للأحزاب التي تريدها الثورة وقيادتها خاصة وهذا ما ذكره في خطابه في مدينة المنصورة يوم 19 أبريل 1953: إن هيئة التحرير ليست حزباً سياسياً يجر المغانم على أصحابه أو يستهدف شهوة الحكم والسلطان وإنما هي أداة لتنظيم قوى الشعب وإعادة بناء مجتمعه على أسس جديدة صالحة أساسها الفرد.
في ظل دستور 1956، أُجريت أول انتخابات برلمانية في مصر بعد الثورة عام 1957، ليُشكل مجلس الأمة، وهو أول برلمان للثورة وأول برلمان في تاريخ مصر تشارك فيه النساء. وكان عدد النائبات المنتخبات سيدتين اثنتين هما راوية عطية ودرية شفيق، في سابقة فريدة تعكس التوجه التقدمي للثورة. رأس المجلس النائب عبد اللطيف البغدادي، أحد أبرز الضباط الأحرار، واستمر انعقاد المجلس حتى عام 1958، حين تم حله إثر إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وإعلان الجمهورية العربية المتحدة وتشكيل برلمان الوحدة. كان مجلس 1957 بمثابة بداية لترسيخ الشرعية الدستورية الثورية، ومحاولة لخلق تقليد برلماني جديد لا يعتمد على الصراع الحزبي التقليدي، بل على تأييد شامل للنظام الجديد.
ومع إصدار دستور 1956، تأسس الاتحاد القومي ليحل محل هيئة التحرير. وصيغ ليكون "تنظيمًا سياسيًا واحدًا"، لا يُسمح بوجود غيره. وُلد في مناخ عبّر فيه عبد الناصر عن رفضه لتعدد الأحزاب الذي اعتبره معوقًا للتقدم في تجارب ما قبل الثورة.
سعى الاتحاد القومي ليكون همزة وصل بين الدولة والشعب، وواجه تحديات كبيرة أهمها غياب التنافس الحقيقي وكان وجود تنظيم سياسي واحد تجربة جديدة على الحياة السياسية. وقد ووفق عليه في استفتاء عام، وهو أول تنظيم في ظل الدستور الجديد في ظل الحكم الجمهوري، وقد رسخ لسلطة الرئيس وجعل من التنظيم السياسي الأوحد أداة للعمل الوطني.
وبحلول مطلع الستينيات، كان توجه الثورة نحو الاشتراكية العربية قد اكتمل، وخاصة بعد تأميم قناة السويس وصدور قرارات التأميم للكيانات الاقتصادية. فظهر الاتحاد الاشتراكي العربي كتنظيم سياسي جديد، أكثر اتساعًا من الاتحاد القومي، وأشمل في هيكليته، وجاء في أعقاب "الميثاق الوطني" الذي صاغ رؤية عبد الناصر للمجتمع والدولة. كان الاتحاد الاشتراكي التنظيم الجماهيري الرسمي الذي ضم العمال والفلاحين والمثقفين والطلاب، وكان مكونًا من مستويات تنظيمية تبدأ بالوحدات الأساسية وتنتهي بالقيادة العليا.
وضمن استراتيجية بناء جيل يحمل مبادئ الثورة، تأسست منظمة الشباب عام 1963، كتنظيم تابع للاتحاد الاشتراكي، مخصص للشباب من الطلبة والعمال والفلاحين. وهدفت إلى غرس مفاهيم الاشتراكية والقومية العربية والانضباط الثوري. كان للمنظمة دور تربوي وتعبوي، وتدرب وتثقف فيها آلاف الشباب الذين مارسوا العمل السياسي باحترافية وكان لهم دور مؤثر حتى السبعينات وكان لقادتها وكوادرها أدوار ملموسة في كل المجالات التنفيذية والبرلمانية والشعبية.
وفي أواخر الستينيات، تأسس التنظيم الطليعي كتنظيم داخل الاتحاد الاشتراكي، يضم الصفوة المؤمنة تمامًا بمبادئ الثورة الاشتراكية الناصرية. ضم التنظيم نخبًا من صفوة المثقفين في الجامعات والسلك الدبلوماسي وغيرها من المجالات التي تضم عقولا واعية ومثقفة.