الصراع بين الثورة والإخوان

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

منذ اندلاع ثورة 23 يوليو 1952، التى أطاحت بالنظام الملكى وأسست لجمهورية جديدة فى مصر، تبلورت ملامح صراع جذرى بين مشروع الدولة الحديثة، الذى قاده جمال عبدالناصر، وبين جماعة الإخوان المسلمين التى سعت لفرض نموذجها السياسى - الدينى على الحكم. هذا الصراع، الذى بدأ بمصافحة وابتسامة، لم يلبث أن تحول إلى معركة سياسية وأمنية وأيديولوجية لا تزال فصولها ممتدة حتى اليوم، مما يشى بعمق الجذور والخلافات بين الطرفين.

لم تكن العلاقة بين الضباط الأحرار بقيادة عبدالناصر، والإخوان المسلمين، وليدة لحظة الثورة، بل سبقتها لقاءات واتصالات منذ الأربعينات. تشير بعض المصادر إلى أن عبدالناصر شارك فى اجتماعات للإخوان. إلا أن المؤكد أن الضباط الأحرار وجدوا فى جماعة الإخوان حليفاً مؤقتاً يمكن الاعتماد عليه فى إضفاء شرعية شعبية على تحركهم العسكرى، بينما رأت الجماعة فى الضباط أداة يمكن من خلالها بلوغ الحكم، دون أن تخوض مواجهة مباشرة مع النظام القائم أو تدفع ثمناً سياسياً غالياً.

عقب نجاح الثورة فى خلع الملك فاروق بادر قادة الجماعة إلى تأييد الضباط الأحرار، وشاركوا فى تأييد قراراتها. بل إن الجماعة حاولت أن تقدم نفسها بوصفها قوة قادرة على ضبط الشارع الإسلامى وتوجيهه لصالح مشروع التغيير. وفى المقابل، لم يمانع عبدالناصر من فتح قنوات التواصل معهم.

لكن سرعان ما بدأت الخلافات تتضح: فبينما سعت ثورة يوليو إلى إقامة دولة مركزية قوية، قائمة على تحرر وطنى وعدالة اجتماعية، كانت جماعة الإخوان تسعى إلى «أسلمة» الحكم وفرض المرجعية الدينية على القرار السياسى، وهو ما اصطدم بمشروع عبدالناصر القومى الحداثى. أراد الإخوان أن يكون لهم نصيب مباشر من السلطة، بل طالبوا بتولى بعض الوزارات السيادية، وهو ما رفضه عبدالناصر قطعاً.

مع تصاعد الخلاف بين مجلس قيادة الثورة، خاصة عبدالناصر، والرئيس محمد نجيب، وجدت جماعة الإخوان فرصة لتعزيز نفوذها عبر التقرب من نجيب. وقد شجع الأخير هذا التقارب، خصوصاً بعد أن بدأ يشعر بتهميشه داخل المجلس، بل دعا إلى عودة الضباط إلى ثكناتهم. وقد وصل الأمر إلى حد التنسيق المباشر بين نجيب وقيادات الجماعة، ما دفع عبدالناصر إلى اتخاذ قرار حاسم بعزل نجيب فى نوفمبر 1954، واعتقال عدد كبير من قيادات الجماعة، فى مقدمتهم حسن الهضيبى، المرشد العام آنذاك.

كانت محاولة اغتيال عبدالناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية فى 26 أكتوبر 1954، على يد أحد أفراد الجماعة، لحظة فاصلة فى تاريخ العلاقة بين الطرفين. فبعد هذا الحادث أعلن عبدالناصر الحرب على الإخوان، أصبح التنظيم محظوراً، وأغلقت مقاره، ومُنعت أدبياته، ودخلت الجماعة نفق المواجهة مع الدولة الناصرية، ولم تهدأ الحرب رغم مرور السنوات. شهدت فترة الستينات جولة جديدة من المواجهة، أكثر حدة وتنظيماً. ففى هذه الفترة، أعادت الجماعة بناء تنظيمها السرى داخل السجون، وبرزت شخصيات جديدة، على رأسها سيد قطب، الذى كتب مؤلفاته الكبرى فى الزنزانة، مثل «معالم فى الطريق»، والتى مثلت نقلة فكرية خطيرة نحو تكفير الدولة والمجتمع، والدعوة إلى الثورة الشاملة.

رأت الدولة فى أفكار «قطب» تهديداً مباشراً لكيانها، خاصة بعد الكشف عن تنظيم سرى جديد داخل الجماعة خطط لأعمال تخريبية. وجاء الرد قاسياً: أُعيدت المحاكمات، وأُعدم سيد قطب عام 1966، مع مجموعة من القيادات.

طوال فترة حكم عبدالناصر وحتى وفاته عام 1970، ظل الإخوان ممنوعين من أى نشاط علنى، أو تمثيل سياسى. لم يكن الخلاف مجرد صراع على السلطة، بل كان صراعاً على طبيعة الدولة ومصدر الشرعية. عبدالناصر أقام نظاماً جمهورياً ثورياً يستمد شرعيته من الشعب ومن الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، بينما رأت الجماعة أن المرجعية يجب أن تكون دينية، وأن الحاكمية لله، لا للشعب. ورحل عبدالناصر، لكن الصراع لم ينته.

حرص «عبدالناصر» على وضع حد لمشروع الجماعة فى وقت مبكر، لأنه أدرك أن الدولة الوطنية الحديثة لا يمكن أن تستقر فى ظل مشروع موازٍ يسعى لتقويضها من الداخل. وفى المقابل، لم تتخل الجماعة عن حلمها فى الوصول للحكم وإعادة تشكيل الدولة على صورتها.