مع التطبيع

يطالب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وكلمة تطبيع برزت منذ أن تم زرع الدولة الصهيونية فى وطننا العربى، فى جزئه الفلسطينى منذ عام ١٩٤٨، وتم تشريد ملايين الفلسطينيين ومعظمهم معه مفتاح بيته الذى وعدهم الوافدون اليهود من شتى أصقاع الأرض، بالعودة التى لم تتحقق أبداً.

وظلت المفاتيح فى الجيوب والوجع فى القلب والأمل يخبو يوماً بعد يوم، والكثير منهم أخذ مفتاح بيته معه إلى القبر، والأكيد أن العلاقات الطبيعية بين الدول هى هدف يسعى الجميع لتحقيقه، فتبذل الجهود لتسوية نقاط الخلاف وإرساء مبدأ التعاون المثمر وهنا تكون العلاقات طبيعية.

أما التطبيع الذى تريده الولايات المتحدة وإسرائيل، فيتمثل فى تلبية كل طلبات الكيان الصهيونى، منها أن يستولى على مساكننا، فنرحب بذلك ونفتح أذرعنا لجيشه المدمر، ونزغرد مع كل اعتداءات المستوطنين القادمين من شتى أنحاء العالم على شعبنا وأهالينا، بدعوى أنهم يمارسون حقهم فى الوجود، بما يسمونه أرض الميعاد، والقاصرة على يهودى الديانة دون غيرهم، وهو ما يناقض قوانين الطبيعة البشرية، لأن الوطن للجميع وليس لأصحاب ديانة معينة.

ففى فلسطين، كانت الأغلبية الساحقة من أبنائها من اليهود، الذين كان منهم السيد المسيح، ودخل الدين المسيحى بعدها جزء كبير من اليهود، ثم جاء الإسلام الحنيف فدخلته أغلبية ساحقة من اليهود والمسيحيين، ومن هنا يتضح بجلاء فساد النظرية المدعية أن فلسطين لم يكن فيها غير اليهود، وكأن المسيحية والإسلام لم يعتنقهما يهودى واحد، وظلت الأرض خالية إلا من اليهود فقط.

وكما رسم الفنان العبقرى عمرو سليم منذ سنوات أن حل الدولتين الذى ينادى به العرب هو فى نظر الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الأولى إسرائيلية والدولة الثانية إسرائيلية أيضاً، وإذا قاوم الفلسطينيون هذا المخطط الظالم ظلماً فادحاً، فإن الترسانة الأمريكية جاهزة لتزويد دولة الاحتلال بأشد أنواع الأسلحة فتكاً ودماراً، مع استمرار التساؤل المفزع، كيف يكره فلسطينى دولة هدمت مسكنه وقتلت معظم أفراد عائلته؟

فالطبيعى فى نظرها أن يرحب المواطن المنكوب بكافة جرائم إسرائيل، ويعتبر أن ما تقترفه فى قطاع غزة أمر طبيعى، ومطلوب من الوطن العربى أيضاً قبول جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلى ضد أهالى فلسطين، وكذلك بقية دول العالم التى بدأت تستيقظ وتطالب بوقف حرب الإبادة المستمرة للعام الثانى على التوالى وارتفاع عدد الشهداء إلى نحو مائة ألف شهيد والمصابين عشرات الآلاف، ويطلب رئيس الحكومة الصهيونية ترحيبنا ومعنا العالم باستمرار احتلاله لقطاع غزة.

إن التطبيع أمر مرغوب فيه عندما يكون الطرف الثانى «إسرائيل» يستحق ذلك، ولذا نشاهد جهود الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى ترفض حرب الإبادة والعدوان الإسرائيلى، وتعتبر التهجير القسرى للأشقاء فى فلسطين خطاً أحمر، وهو ما يفسر حرب الشائعات التى يشنها الأعداء ضد مصر، مع أنها كانت الدولة التى عقدت صلحاً مع إسرائيل بأمل أن هذه الدولة ستقدر قيمة وجود علاقات طبيعية مع مصر، لكن شاهدنا ومعنا العالم كيف توحشت إسرائيل، وبمساندة أمريكية كاملة وامتداد العدوان الإسرائيلى إلى لبنان وسوريا واليمن، ولا شك أن التطبيع يستدعى التصدى بكل ما نملك من سبل لتغيير خريطة الشرق الأوسط وهيمنة دولة الاحتلال عليه، ونأمل أن تدرك أمريكا أن التطبيع هو علاقات طبيعية، طبيعية يا دولة تستخدم إسرائيل لتسميم حياتنا.