العقيدة الحاكمة لسياسة مصر الخارجية بعد يونيو 2013

هدى رؤوف

هدى رؤوف

كاتب صحفي

تُعرف السياسة الخارجية بأنها الأهداف العامة التى توجه أنشطة الدولة وعلاقاتها فى تفاعلاتها مع الدول الأخرى. ويتأثر تطور السياسة الخارجية بالاعتبارات الداخلية، وسياسات أو سلوكيات الدول الأخرى، أو الخطط الرامية إلى تحقيق أهداف جيوسياسية محددة.

ومن ثم هناك أولوية لتأثيرات الجغرافيا والتهديدات الخارجية فى تشكيل السياسة الخارجية، ولكن هناك أيضاً تأثيرات العوامل الداخلية.

تمتلك الدول أدوات عدة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية منها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية، وفى حالة مصر تُعد الدبلوماسية الأداة الرئيسية فى تحقيق أهداف السياسة الخارجية، وإن كانت مصر فى محيط إقليمى مشتعل بالصراعات والنزاعات والتدخلات العسكرية والسياسية، إلا أن مصر اختارت أن تتعامل مع المصالح والتهديدات بتعزيز المكون الدبلوماسى على نحو يتسم بالنفس الطويل وعدم استسهال اللجوء للتلويح بالتهديد باستخدام أو الاستخدام الفعلى للأداة العسكرية فيما يخص بعض التهديدات الإقليمية ما دامت لم تصل إلى حد الخطر الذى يستلزم التحرك العسكرى، ومن ثم تنتقل مصر لمرحلة وضع الخطوط الحمراء فيما يتعلق بتلك المهددات، مثل إعلان الرئيس السيسى خط «سرت- الجفرة» كخط أحمر، أو التحرك لتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، أو التحرك لمنع إثيوبيا من تأسيس قاعدة عسكرية على البحر الأحمر. من هنا تتنوع حزمة المسارات المتاحة تحت المظلة الدبلوماسية والسياسية، لكن هذا لا يعنى غياب الأداة العسكرية، فمصر تمتلك واحدة من أكبر القوات العسكرية ومخزونات الأسلحة الرئيسية فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولكن تختار مصر ألا تنزلق إلى الصراعات الإقليمية القائمة.

كما قد ترجع تلك السياسة فى جزء منها إلى ثقة مصر فى دورها الإقليمى وتمتعها بعلاقات وشراكات قوية مع دول الإقليم والقوى الدولية حتى لو كان هناك بعض الخلافات فى الرؤى، لكن ذلك لا يعنى العداء أو الصراع مع تلك القوى، بل على العكس هناك دائماً احترام للرؤية المصرية وأهمية الدور المصرى واستمرار امتلاك مصر لأدوات وأوراق فى يديها تُمكنها من ممارسة التأثير المطلوب أو عرقلة تأثير بعض أدوات القوى الأخرى.

وفى الحقيقة فإن منطقة الشرق الأوسط تتسم بتشتت مصادر القوة فيها، أى إنها منطقة تتسم بالتعددية القطبية للقوى المؤثرة فيها، فلا يمكن القول إن هناك قوة إقليمية واحدة تتسم بكل مصادر القوى، كثير من القوى الإقليمية التى تتنافس ولدى كل منها أوراق وأدوات قوة لممارسة تأثيرها من جهة وللحد من تأثير القوى الأخرى، وهو ما يجعل المنطقة تتسم بأنها بيئة صراعية، فوجود مسيطر أو مهيمن واحد يمنح المنطقة الاستقرار على عكس التعددية القطبية. فى هذا السياق الإقليمى تعزز مصر من توظيف مختلف أشكال الدبلوماسية والحوار.

وخلال المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل أكدت مصر ثوابت سياستها الخارجية، من حيث رفضها حل الأزمات عبر المقاربة العسكرية وتغييب الدبلوماسية والحوار، ومن ذلك التعامل مع الملف النووى الإيرانى بالقوة العسكرية بدلاً من المفاوضات، لا سيما أن مصر ضمن دول المنطقة التى أيدت المحادثات التى كانت بدأت بين إيران وواشنطن بوساطة عمانية، لذا أدانت الهجوم الإسرائيلى على إيران، لكن فى ذات الوقت أدانت مصر انتهاك إيران للسيادة القطرية ومجالها الجوى مما أكد ثابتاً آخر فى سياسة مصر الخارجية، وهو اعتبار مصر أن أمن الخليج ضمن الأمن القومى العربى.

كما أكدت سياسة مصر على مبدأ توازن المصالح والعلاقات واحترام السيادة وتحقيق التنمية المستدامة، فضلاً على تعزيز المكون الاقتصادى فى سياستها الخارجية لتحقيق مصالحها الوطنية، ومن ذلك أن لعبت مصر دوراً مباشراً وقيادياً فى تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط كمنظمة إقليمية معترف بها دولياً، بداية فى عام 2019 ورسمياً فى عام 2020. وقد عكس هذا أكثر من مجرد اهتمام مشترك بالطاقة. وترتب عليه أن حاولت تركيا فيما بعد إنهاء الخلافات بينها وبين مصر وحل قضايا الخلاف، وهو ما لم ترفضه مصر ما دام يحقق مصالح جميع الأطراف. كما حلت الخلافات بين مصر وقطر وكذلك تجاوبت مصر ولكن بخطى متأنية مع الدعوات الإيرانية لرفع مستوى العلاقات بينهما.

أما على مستوى القانون الدولى والعلاقة مع المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، فقد عززت مصر إسهامها النشط خلال عمليات حفظ السلام الأممية لتصبح سابع أكبر مساهم على مستوى العالم فى هذه العمليات، وأكدت مصر على دعم القانون الدولى والدعوة لإصلاح الأمم المتحدة، رغم الإيمان بدور المنظمة وقيمها، ومؤخراً، دعت مصر، عبر كلمة مندوبها فى مجلس الأمن السفير أسامة عبدالخالق، إلى ضرورة إصلاح مجلس الأمن بشكل شامل، وفى مقدمة ذلك تصحيح العوار الخاص بمسألة الفيتو، مرة واحدة وللأبد، وذلك على وقع المأساة الإنسانية فى غزة، وكان الفيتو الأمريكى سبباً فى عرقلة قرارات وقف إطلاق النار.

وكثيراً ما نادت مصر بضرورة العمل على إصلاح الخلل الذى يعترى المنظمة ويُلقى بظلال على دورها أمام الشعوب العربية والأفريقية، لا سيما دورها فى دعم قيام دولة فلسطينية تعبر عن حقوق المواطن الفلسطينى، كما نادت مصر بتشجيع المجتمع الدولى لإعادة بناء المؤسسة العسكرية فى دول الأزمات لتعزيز قدرتها على مواجهة الإرهاب، والالتزام بالحل السياسى فى قضايا المنطقة وإيجاد الحل الشامل للأزمات الكبرى وليس الحلول الجزئية، أى قيام المجتمع الدولى بالالتزام بإيجاد حلول سلمية مستدامة للنزاعات الدولية.

لقد دعت مصر إلى ضرورة قيام الأمم المتحدة بحشد الموارد لمساعدة الدول الخارجة من أزمات لإعادة بناء التنمية ودعم الجهود الوطنية لتجاوز الصراعات مع رفض فرض نماذج مستوردة للحكم ورفض التدخل فى الشئون الداخلية للدول وانتهاك سيادتها.

انطلاقاً من مقولة كل السياسات محلية All politics is local صاغت مصر محددات سياستها الخارجية على المستوى الإقليمى والدولى، كما انطلقت تلك المحددات من الرغبة فى انتهاج سياسة خارجية محملة بالمبادئ الأخلاقية التى تحترم حقوق وأمن الآخرين، لكنها لن تتخلى عن التصدى بحسم لأى تهديدات تمس مصالحها، ومن ثم فإنه حتى لو لم تحاول مصر الاشتباك مقدماً فى قضايا الإقليم، لكنها تراقب الأوضاع عن كثب لدرء أى مخاطر تقترب من أمنها ومصالحها.

* أكاديمية
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية بـ«المركز المصرى»