ترامب يعترف: دعم السد الإثيوبي كان «خطأ استراتيجياً»

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

ماذا حدث؟ ولماذا فى هذا التوقيت بالذات يتذكر الرئيس ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أن بلاده أخطأت فى المساهمة فى بناء السد الإثيوبي؟

وأعرب عن أسفه لهذه المساهمة، الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، معتبراً أن هذه الخطوة كانت «خطأ استراتيجياً» أضر بمصالح حليف رئيسى للولايات المتحدة فى المنطقة، وهو مصر.

‎واختلف المحللون السياسيون فى تفسير هذه الواقعة؛ فالبعض يرى أنها خطة استراتيجية جديدة من الولايات المتحدة الأمريكية للدخول بجدية كوسيط له القدرة على حل المنازعات والمشاكل فى جميع أنحاء العالم، وخاصة المنطقة العربية الملتهبة. وعلى الرغم من فشلها فى حل بعض المشاكل، مثل وقف الحرب فى غزة، فهى تفتح ملفات أخرى تستطيع أن تقدم حلولاً سريعة، إضافة إلى الانتقادات الواسعة التى وُجِّهت للسياسات الأمريكية السابقة تجاه حوض النيل، والتى رآها كثيرون منحازة لإثيوبيا.

‎والبعض الآخر يؤكد أن هذا بسبب قوة الدور المصرى فى المرحلة الأخيرة وتأثيره القوى على كل المنطقة العربية، ومواقفها فى صالح القضية الفلسطينية، والتى لا تُعجب الإسرائيليين ولا تُعجب الإدارة الأمريكية، خاصة تشدد مصر فى رفض تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.

‎ولكن الكثيرين أكدوا أن هذه التصريحات جاءت فى وقتها بعد التصريحات الاستفزازية لرئيس وزراء إثيوبيا آبى أحمد عن افتتاح السد رسمياً فى سبتمبر المقبل بعد اكتمال جميع أعمال بناء السد، موجهاً دعوة إلى كل من مصر والسودان لحضور مراسم افتتاح السد الذى وصفه بأنه «رمز للبركة والمنفعة المتبادلة، وليس مصدراً للصراع أو التهديد».

‎وفى المقابل، رحبت مصر بالموقف الأمريكى الجديد، وسارع الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الترحيب بهذه التصريحات، مشيداً بـ«حرص الرئيس ترامب على التوصل إلى اتفاق عادل يحفظ مصالح الجميع حول السد الإثيوبى، وتأكيده على ما يمثله النيل لمصر كمصدر للحياة».

‎عموماً، فهى ليست المرة الأولى التى يحاول فيها الرئيس ترامب أن يحل مشكلة السد، فلقد فعل ذلك فى ولايته الأولى، وقادت أمريكا مفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا بمشاركة البنك الدولى، ولكن فشل بسبب تعنت الجانب الإثيوبى، فهل ينجح هذه المرة؟

‎وعلى الرغم من أن ترامب لم يقدّم خطة واضحة، إلا أنه لمح إلى إمكانية إعادة الوساطة الأمريكية فى الملف من جديد، لكن هذه المرة بشروط أكثر توازناً تضمن «حق مصر فى المياه كما تضمن التنمية لإثيوبيا». كما لمح إلى إمكانية ربط المساعدات الأمريكية لإثيوبيا بالتزامها بمسار تفاوضى عادل وملزم.

ولكن يظل تساؤل فى الأذهان: ما هو المقابل الذى سيطلبه ترامب من مصر؟ دعونا لا نستبق الأحداث، ولعل الرجل يريد سلاماً حقيقياً فى المنطقة، وهدوءاً يمهد له الطريق كصانع للسلام ولجائزه نوبل!!

‎وفى ظل هذه التصريحات، هناك فرص سياسية ودبلوماسية أمام مصر يجب أن تُستغل بذكاء، من أبرز هذه الفرص إعادة تدويل القضية وتوظيف تصريحات ترامب كدليل على فشل المسار السابق، ‎وضرورة البحث عن مسار جديد مع تكثيف التواصل مع الإدارة الأمريكية الحالية والكونجرس لخلق موقف أمريكى موحد أو، على أقل تقدير، متفهم للقلق ‎المصرى أيضاً، تعزيز الشراكات الإقليمية، لا سيما مع السودان والدول الأفريقية المؤثرة، لبناء تكتل داعم لموقف مصر فى أى مسار تفاوضى مستقبلى.

‎فى النهاية، تبقى كلمة: حديث ترامب مجرد تصريح من تصريحاته العديدة، ولكنه يشير إلى تحول محتمل فى المزاج السياسى الأمريكى تجاه هذا الملف الشائك، مما يفتح أمام مصر نافذة للتحرك السياسى والدبلوماسى يجب عدم إضاعتها.