رئيس بلدية سنجل: الحصار الإسرائيلي لن ينال من عزيمتنا ولدينا خبرة في مواجهة اعتداءات المستوطنين

كتب: ماريان سعيد

رئيس بلدية سنجل: الحصار الإسرائيلي لن ينال من عزيمتنا ولدينا خبرة في مواجهة اعتداءات المستوطنين

رئيس بلدية سنجل: الحصار الإسرائيلي لن ينال من عزيمتنا ولدينا خبرة في مواجهة اعتداءات المستوطنين

تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد

«سنجل» بلدة صغيرة عالقة بين جدارين، أقاما حولها قفصاً من حجر وبنادق، تدور حياة لا تشبه الحياة، حيث يزرع الناس الزيتون، على أمل أن يحميهم جذره العميق من غارات المستوطنين، فيواجهون سجناً أُغلقت أربعة أبواب له، وتُرك لهم باب واحد تمر منه أنفاسهم، مثقلةً بالخوف والتفتيش والأسلاك الشائكة.

وسط هذا الحصار، يقف رئيس بلدية «سنجل»، معتر طوافشة، طبيب الأسنان الذى تحوّل إلى حارسٍ لأرضه، شاهداً على «جريمة صامتة»، لا تُدون فى عناوين الأخبار، بل تُكتب فى وجوه الناس وحقولهم الممنوعة، وفى حكايات البيوت المحترقة، وأصوات الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم.

وعلى الرغم من مساحتها الصغيرة، إذ لا تتجاوز 16 ألف «دونم»، إلا أنها تشكل بوابة الربط بين شمال وجنوب الضفة الغربية، لوقوعها بين محافظتى رام الله ونابلس، تقف البلدة المحرومة من الخدمات، والموبوءة بالمستوطنين، على تلة شامخة، تبلغ فى أقصى ارتفاع لها عن مستوى سطح البحر 860 متراً، وأدنى ارتفاع لها عن مستوى سطح البحر680 متراً، وهو ما جعلها أكثر البلدات الفلسطينية التى تواجه اعتداءات متكررة من قِبل المستوطنين، وتضييقات مستمرة تفرضها سلطات الاحتلال.

يقول «طوافشة»، الذى وجد نفسه رئيساً لبلدية بلدة متطرفة بعيدة عن العمران، إن «سنجل» تناضل بطريقتها الخاصة للحفاظ على أراضيها، خصوصاً الشمالية منها، التى منها نحو 8 آلاف دونم مصنفة ضمن المناطق المسماة «سى»، وهى المناطق التى تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الكاملة للاحتلال الإسرائيلى وفق «اتفاقية أوسلو»، ويوضح أن موقع البلدة الجغرافى الاستراتيجى فى قلب الضفة الغربية، يجعلها مطمعاً للمستوطنين، الذين يسعون منذ سنوات طويلة لفرض سيطرتهم عليها، ضمن مخططات استيطانية ممنهجة، تستهدف المنطقة بأكملها، وهى المخططات التى يتصدى لها المواطنون العزل بكل ما يملكون من قوة وإيمان ويقين بأرضهم.

ويضيف رئيس بلدية القرية، فى حديثه لـ«الوطن»، أن الأهالى يعيشون صراعاً طويلاً ومريراً منذ سنوات، فى سبيل الدفاع عن هذه الأراضى وحمايتها، ورغم كل التحديات استمروا فى صمودهم أمام اعتداءات المستوطنين، واعتداءات جيش الاحتلال، والتى تهدف فى مجملها إلى دفع الأهالى والمزارعين إلى ترك أراضيهم، تمهيداً لإقامة كتلة استيطانية ضخمة فى هذه المنطقة، وهم يدركون منذ عام 1967 وحتى الآن، أن خطوة كهذه من شأنها، إذا تحققت، ستؤدى حتماً إلى فصل شمال الضفة الغربية عن وسطها، وهو ما يُنذر بخطر جغرافى وسياسى كبير.

محطة مهمة يتوقف عندها «طوافشة» وهو يحكى عن تفاصيل بلدته، قبيل اندلاع العدوان الإسرائيلى الأخير على قطاع غزة، وبرغم ما كانت تفرضه سلطات الاحتلال من تضييقات واعتداءات، ظل الأهالى فى «سنجل» صامدين، يزرعون أراضيهم، ويواصلون تمسكهم بأرضهم، لا سيما الأراضى الشمالية المصنفة «سى»، إلا أنه ومع بداية الحرب على غزة، فى 7 أكتوبر عام 2023، استغل الاحتلال حالة الحرب وقانون الطوارئ، ليمنع المزارعين وأصحاب الأراضى من الوصول إليها، وبالفعل تم تنفيذ هذا المنع بوسائل متعددة، شملت إغلاق مداخل البلدة المؤدية إلى الأراضى الزراعية، وإغلاق الطرق الحيوية.

وبالتوازى مع تلك الإجراءات، شرع الاحتلال فى إقامة جدار عازل جديد، تحت ذريعة الأمن، وبحجة منع إلقاء الحجارة، غير أن السبب الحقيقى الكامن وراء هذا الجدار هو فصل وعزل 8 آلاف «دونم» من أراضى البلدة فى المنطقة الشمالية، لفرض السيطرة عليها بالكامل، فيما يتولى المستوطنون مهمة الاعتداء المباشر على أى مواطن يحاول الاقتراب من هذه الأراضى، أو العمل فيها، ويتابع رئيس البلدية حديثه، ليقول بنبرة حزينة إن هذه الاعتداءات تصاعدت بشكل خطير، حيث اعتدى المستوطنون على أكثر من 47 منزلاً فى أنحاء البلدة، وأضرموا النار فى العديد منها، فضلاً عن الاعتداءات الجسدية المتكررة التى طالت المواطنين، إذ تُستخدم فى هذه الاعتداءات سياسة وحشية، يُطلق عليها الأهالى «تكسير العظام»، بهدف ترك أثر نفسى عميق لدى الأهالى، لمنعهم من مجرد التفكير فى الاقتراب من أراضيهم.

ثم يتوقف «طوافشة» قليلاً فى حديثه ليقول وكأنه يسترجع مشاهد ما يحكى: «كان من أبشع هذه الانتهاكات مؤخراً، إطلاق جنود الاحتلال النار على طفل يبلغ من العمر 14 عاماً»، بالقرب من الناحية الشمالية للبلدة، ولا يزال الاحتلال يحتجز جثمان الطفل الشهيد حتى هذه اللحظة، فى سياسة عقاب جماعى تُفاقم من آلام الأسر الفلسطينية.

وفى محاولة لتغيير وتيرة الحديث، يتنقل رئيس البلدية إلى مأساة أخرى تفاقم أوجاع قرية «سنجل»، تتمثل فى إغلاق 4 مداخل، من أصل 5 بوابات للقرية، ما أدى إلى عمليات التحقيق الميدانية مع الشباب الفلسطينيين عبر نقاط التفتيش المنتشرة داخل البلدة وعلى مداخلها، موضحاً أن البلدة تضم خمسة مداخل، تم إغلاق أربعة منها بشكل كامل، والإبقاء على مدخل وحيد يخضع يومياً لنقاط تفتيش عسكرية يتم فتحها وإغلاقها بصعوبة شديدة، لتتحول البلدة بفعل هذه الإجراءات إلى ما يشبه السجن الجماعى، حيث يحيط بها من الناحية الشرقية جدار عازل، ومن الناحية الشمالية جدار آخر، بينما يشتد الخناق على حياة الناس اليومية.

كما يشير «طوافشة» إلى ما يعيشه الأهالى من معاناة فى الجهة الجنوبية للبلدة، إذ شهدت الأشهر الأخيرة أكثر من 20 اعتداءً من قِبل المستوطنين، أسفرت عن حرق عشرة منازل، وسرقة عدد من رؤوس الماشية تعود ملكيتها للأهالى، ولم تقتصر معاناة سكان «سنجل» على الاعتداءات المباشرة فقط، بل لجأ الاحتلال كذلك إلى تطويق جميع أطراف المدينة بأسلاك شائكة وجدران عازلة، لتقليل حركة الأهالى والتضييق عليهم.

ويحكى «طوافشة» بنبرة يملؤها الأسى، عن مدى تأثير هذه القيود مجتمعة على المواطنين، إذ انعكست بشكل بالغ السلبية على حياة سكان البلدة، فقد أصبح الأمن والأمان شبه غائبَين، وأضحى الوصول إلى المستشفيات والمراكز الطبية المجاورة أمراً شديد الصعوبة، كما تأثرت الحركة التجارية داخل البلدة، فارتفعت معدلات البطالة بشكل كبير، وتضررت الأراضى الزراعية فى الشمال والجنوب، وعلى سبيل المثال، تم حرمان الأهالى من جنى ثمار الزيتون فى مساحة تزيد على ثلاثة آلاف دونم، إضافة إلى محاصيلهم الشتوية والصيفية، حيث كانت البلدة تشتهر بزراعة الخضراوات، وأصبح الأهالى عاجزين عن الوصول إلى أراضيهم وزراعتها.

ولأن بلدة «سنجل» تقع بعيداً عن مراكز المدن الكبرى، حيث توجد المؤسسات الحكومية والحقوقية، فقد فرض هذا الواقع على البلدية أعباءً ومسئوليات تتجاوز دورها الطبيعى فى تقديم الخدمات الأساسية، إذ تحولت البلدية إلى ما يشبه الحكومة المصغّرة، فأصبحت تسعى لتأمين متطلبات المواطنين على الصعيدين الأمنى والاقتصادى، إضافة إلى السعى لتوفير الإمكانيات الضرورية للحياة اليومية، ويبقى أكبر التحديات التى تواجهها، هى حماية الأهالى من الاعتداءات الممنهجة، إذ يواصل الاحتلال والمستوطنون العمل ليلاً ونهاراً للسيطرة على أراضى البلدة والتضييق على أهلها.

ورغم ذلك، يواصل أهالى «سنجل» نضالهم فى كل المسارات المتاحة، خاصةً أن الأهالى لديهم خبرة طويلة فى مواجهة هذه الاعتداءات، وصار لديهم وعى بكيفية التعامل معها، ورغم أن للبلدية مهام محددة، وهى تقديم الخدمات للمواطنين، ولكن فى ظل الخناق من جانب الاحتلال، والبعد عن مراكز الخدمات التابعة للسلطة، اضطرت البلدة إلى تشكيل لجان حراسة ولجان حماية محلية، جرى تدريبها على رصد الاعتداءات، والتنبيه المسبق للأهالى عند حدوث خطر، فضلاً عن توثيق الانتهاكات لتقليل الخسائر وحماية المواطنين، كما نُظّمت دورات فى الدفاع المدنى والإسعافات الأولية، لتكون هذه اللجان مستعدة للتعامل السريع مع أى اعتداء مفاجئ من المستوطنين، خاصة فى المناطق القريبة من الأراضى المستهدفة، لتظل «سنجل» بين الجدار العازل والتهديدات اليومية والاعتداءات المتكررة، تواصل صمودها فى وجه الاحتلال والمشروع الاستيطانى، الذى يهدد كل شبر من أراضيها، لتبقى حكايتها شاهداً حياً جديداً فى ملحمة فلسطين الطويلة.


مواضيع متعلقة