عايد غفري: عائلتي اضطرت لمغادرة المنزل بعد حادث مع يهود متطرفين.. وبقيت وحدي «شوكة» في ظهر المستوطنين
عايد غفري: عائلتي اضطرت لمغادرة المنزل بعد حادث مع يهود متطرفين.. وبقيت وحدي «شوكة» في ظهر المستوطنين
تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد
فى قلب بلدة «سنجل»، الواقعة شمال شرق رام الله، حيث يعلو أنين الحقول المحرومة من مزارعيها على ضجيج الحرب أحياناً، يقف «عايد غفرى»، الناشط ضد الاستيطان، كحارسٍ أخيرٍ من أسرته التى غادرت المنزل، لحماية الأطفال، بقى وحده ليواجه الجدران والمستوطنين بذاكرة مثقلة بالتفاصيل، وصوت لا يهدأ، بعد أن دفعت اعتداءات المستوطنين المتكررة عائلته إلى اتخاذ قرار إخراج أبيه المسن، و5 من الأحفاد الصغار، من منازلهم، ومغادرة البلدة، من أجل الحفاظ على حياتهم.
تحدث «عايد غفرى» لصحيفة «الوطن» عن وجعه الشخصى، الذى يشبه وجع كل سكان «سنجل»، وجعٌ تشكّل بفعل اعتداءات صارت تتكرر بوتيرة موجعة، مرتين إلى ثلاث مرات فى الأسبوع، وأحياناً تتحوّل إلى مشهد شبه يومى، خاصة فى المناطق الشمالية من البلدة، بعدما كانت تمرّ سنوات لا يرون فيها اعتداءات مماثلة قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.
هذا التصاعد الخطير فى عنف عصابات المستوطنين دفع «عايد»، 44 عاماً، إلى أن يترك عمله الذى أحبّه لسنوات، فى ورشة صغيرة لتصليح إطارات المركبات، ليسلّم مفاتيح المحلّ إلى أشقائه، ويتفرّغ لمهمّةٍ أصعب بكثير، وهى «حماية أرض العائلة وبيتها من أطماع المستوطنين وهجماتهم»، ليقف وحيداً فى وجه العاصفة، يحرس ببصره آلاف الدونمات التى تحيط بالبلدة، ويشدّ على قلبه كل ليلةٍ ليبقى، فى ذكرى يوم الأرض الـ48، يردّد مع نفسه أنّ رسوخ الأرض لا يُقاس بعدد الأقدام الواقفة عليها، بل بنيّة أصحابها على حمايتها.
يعيش «غفرى» فى بيت ضمن 15 منزلاً فلسطينياً، تُعرّف فى ذاكرة القرية بأنها «خطّ تماس مباشر» مع المستوطنين، إذ تقع بمحاذاة شارع «قوربات اللّبَن» فى شمال «سنجل»، شارع يعبره يومياً اليهود من سكان مستوطنتى «معاليه ليفونا» و«جفعات هرآيه»، المقامتين على أراضى الفلسطينيين، إلى جانب بؤرة استيطانية ثالثة تُضيف وجعاً جديداً فى كل لحظة، واليوم، لم يبقَ من هذه البيوت الـ15 سوى أربعة مأهولة بالسكان، بعد أن أجبرت الاعتداءات المتكرّرة أهالى المنازل الأخرى على النزوح إلى قلب البلدة، هاربين بأطفالهم وذكرياتهم، لا يعودون إليها إلا لساعات قصيرة فى النهار، بينما يبقى «عايد» فى منزله وحيداً، يحرس الأرض التى باتت تعرف اسمه وخطواته.
يوضح «غفرى» أن انخراطه فى هذا الطريق لم يكن وليد قرارٍ مفاجئ، بل بدأ مبكراً، إذ كبر ليرى أراضى عائلته مهددة، إذ يحاول المستوطنون اقتلاعها من الذاكرة قبل التراب، فتحول إلى فتى يقف فى وجه مطامعهم، ثم رجل كرّس شبابه لرصد الانتهاكات وحماية الأرض، واصفاً واقع حياته بأنه: «الحياة هنا ليست حياة عادية، كل لحظة قد تكون هى اللحظة الفاصلة، علينا أن نبقى فى حالة تأهب دائم، لأن الاحتلال لا يطرق الباب حين يأتى، بل يدخل كعاصفة»، ومن قلب هذا التأهب المزمن، وُلدت ذاكرة من الصور والأصوات والروائح، ذاكرة جعلت صوته يهتز وهو يتحدث عن أكثر ما يلاحقه حتى اللحظة، وهو مشهد مقتل الطفل عامر ربيع ابن الأربعة عشر ربيعاً، حين «ذهب مع صديقيه ليقطفوا ثمار اللوز الأخضر، فوقعوا فى كمين لجنود الاحتلال. أطلقوا عليهم 46 رصاصة، كان نصيب «عامر» منها ست عشرة رصاصة مزّقت جسده الصغير»، لا ينسى «عايد» كيف عثر بعد ثلاثة أيام على ملابس الطفل فى المكان، وكيف وجد فى طاقية الجاكيت عظام جمجمته وبقايا من دماغه، يقول بنبرة مليئة بالحزن: «حاولنا قصّ الطاقية قبل أن تراها الأم، لكن الأم والجدة أسرعتا إلينا، ضمّتا الملابس إلى صدريهما وبكتا حتى بلّلت دموعهما الأرض»، فكانت تلك اللحظة -كما يقول- لحظةً فتحت جرحاً أكبر من الموت نفسه.
لم يكن العمل سهلاً يوماً، بين توثيق مباشر للحدث بالكاميرا وسط إطلاق النار والغاز، أو بعد وقوع الاعتداء بالبحث فى التفاصيل والشهادات وجمع الأدلة؛ فيقول بداية يكون هناك نوعان لتوثيق الحدث؛ إما أن أكون موجوداً بشكل مباشر فى لحظة الحدث فأقوم بالتصوير ورصد كل الانتهاكات التى يقوم بها الاحتلال والمستوطنون وهذا هو التوثيق المباشر، وأحياناً يكون التوثيق ما بعد الحدث وعندها يجب أن نبحث فى ميدان الحدث مع المتضررين والشهود وتوثيق الخسائر إن كانت مادية والأضرار فى الموقع وأخذ أكثر من شهادة والنظر إلى الموضوع بزاوية 360 درجة كى يتم رصد الحقيقة بكل دقة، وبالتأكيد بعد ذلك يتم حفظ المادة وإرسال نسخ منها للمؤسسات الحقوقية والمعنية بمتابعة مثل هذه القضايا التى نتعامل معها إن كانت مؤسسات دولية أو مؤسسات حقوقية حكومية أو قنوات إعلامية.
ويتنقل «عايد» كمن يكتب تاريخاً من قلب العاصفة، يواجه الاعتقالات والتوقيف المتكرر والضرب من جنود الاحتلال، أو المستوطنين الذين «أحياناً يأتون كمدنيين ثم يعودون لاقتحام البيوت بلباسهم العسكرى»، إذ قبل أسابيع، اعتقله جيش الاحتلال من منزله حتى الثالثة فجراً بحجة إلقاء الحجارة، «قال لى الضابط عبر الهاتف: من لا يأتى بعصا موسى، سنأتيه بعصا فرعون»، رسالة تهديدٍ يفهمها «عايد» جيداً، ورغم ذلك لم يستسلم وذهب لتقديم شكاوى رسمية للشرطة بمساعدة مؤسسات حقوقية، لم يلقَ سوى الاحتجاز والمماطلة، موضحاً بعزة نفس: «حين ذهبت لأقدم شكوى ضد اعتداء موثّق، أوقفونى تحت المطر، فتَّشونى كأننى مجرم، وحاولوا حذف كلمة مستوطنين من محضر الشكوى».
وبمجرد ذكر جدار الفصل العنصرى الذى يمر بالبلدة الصغيرة تنهد «غفرى» تنهداً عميقاً وهو يشرح كيف غيّر الجدار كل شىء: فصل القرى عن بعضها، حوّل أراضى الفلسطينيين إلى مناطق محظورة، «الجدار قسّم فلسطين التاريخية، وأبعدنا عن أرضنا، وصار من يحاول الوصول إليها يواجه الرصاص أو الاعتقال»، والمستوطنات بدورها ليست أقل خطراً، فهى تتمدد على التلال وتغلق الطريق إلى الأراضى، وتتحول إلى قواعد هجمات على القرى والمزارع، «حتى خيمة صغيرة يُقيمها مستوطن تتحول إلى بؤرة، ثم إلى مستوطنة».
ويقف «غفرى» خلال حديثه عن محطة تاريخية مهمة وهى حرب 7 أكتوبر 2023، إذ يصف «عايد» وتيرة الهجمات بعد حرب غزة بأنها أصبحت شبه يومية، خصوصاً فى محيط رام الله ونابلس والخليل والقدس، «حتى التجمعات البدوية صارت تُهجّر تدريجياً، والأخطر أن هذا يحدث تحت سمع العالم وبصره فالمجتمع الدولى يرى كل شىء، لكن تحركه على الأرض شبه غائب، أكبر دليل هو ما حدث فى مخيم طولكرم: هدموا مئات البيوت رغم قرار المحكمة بوقف الهدم».
ويتابع وهو يسترجع سنوات النضال قائلاً: بالطبع لم يكن هذا الطريق بلا ثمن، يعترف «عايد»: «تأثرت حياتى الأسرية والاجتماعية سلباً، لكنى تعلمت أن الهدف الذى أعمل من أجله يستحق التضحية»، ويسترجع بفخر تلك اللحظات التى شعر فيها بأن عمله أحدث فرقاً: «حين وثّقنا سرقة أغنام لمزارع فلسطينى وأوقفنا الهجوم، أو حين ساعدنا فى حماية بيت من الهدم.. فى تلك اللحظات أشعر أن الكاميرا والذاكرة أقوى من الرصاص أحياناً». وبين جدران المنزل يجلس وحيداً ليس معه سوى رائحة الأب وألعاب الأحفاد، إذ أصبح «حارس الأرض»، هو يعرف وجوه المستوطنين واحداً واحداً، ويحفظ تضاريس التلال، ويقرأ الليل جيداً، ويصر على أن يختتم حديثه وهو يردد «لن أترك البيت والأرض، هذه أرضنا هم يملكون القوة، لكننا نملك الحكاية».