سامح فايز يكتب: «حسم» و«ميدان» على خطى «البنا»
تستمر وزارة الداخلية المصرية فى أداء عملياتها ودورها المهم فى حفظ الأمن المصرى ومواجهة الإرهاب.. أحدث تلك العمليات ما أعلن عنه بيان وزير الداخلية مؤخراً عن استهداف بعض عناصر حركة حسم، الجناح المسلح للجماعة فى مواجهة بمنطقة فيصل، سقط على إثرها أعضاء الحركة قتلى، وأصيب ضابط واستشهد مواطن من أهل المنطقة برصاص عناصر «حسم»، كان قد صادف مروره لأداء صلاة الفجر، فرحم الله الشهيد.
تصعيد حركة «حسم» كان متوقعاً بعد الفيديو المنشور والمنسوب للحركة قبل أسابيع، والذى أعلنت خلاله «حسم» عودتها لتنفيذ عمليات فى مصر بهدف نشر الفوضى. «الداخلية» المصرية رصدت التحركات منذ اللحظة الأولى، وكشفت أن تصوير الفيديو حدث خارج مصر فى واحدة من دول الجوار، وتمكنت من معرفة الشخص الذى رفع الفيديو على الإنترنت.
بمرور الوقت توصلت «الداخلية» لعنصر «حسم» المكلف بالدخول إلى مصر ورصدت تحركاته من دولة الجوار، دخولاً إلى مصر من الصحراء الغربية حتى وصوله واستقراره فى المقر المخصص للاختباء ومقابلة العناصر الأخرى.
ما حدث لا يصح أن يمر مرور الكرام، أو أن نتعامل معه باعتباره مجرد عملية عادية نفذتها وزارة الداخلية المصرية ممثلة فى أجهزتها الأمنية؛ فنحن أمام ملاحقة أمنية لإحدى أخطر جبهات الإخوان المعروفة بجبهة «الكماليون» أو «تيار التغيير»، وهى الجبهة المكلفة من مكتب إرشاد الإخوان بإدارة الجماعة بعد فض اعتصامى «رابعة والنهضة».
واستطاعت تلك الجبهة، ممثلةً فى جناحها العسكرى «حسم» ومكتبها السياسى «ميدان»، أن تنفذ العديد من العمليات الإرهابية النوعية التى استهدفت أبرز القيادات الأمنية والعسكرية والقضائية، فى المقدمة منها اغتيال مقدم الأمن الوطنى محمد مبروك، أحد أهم العقول الأمنية التى اشتغلت على ملف الإرهاب، وأيضاً العقيد الشهيد عادل رجائى، قائد الفرقة التاسعة المدرعة بالجيش المصرى، وأيضاً الشهيد النائب العام هشام بركات.
أهمية العملية التى نفذتها «الداخلية» لا تكمن فى مجرد قتل عنصرين من عناصر «حسم»، بل فى توصُّل الأجهزة الأمنية لحجم وحقيقة المخطط منذ كان فكرة فى عقل النظام الخاص للجماعة، ورصد التحركات ثم المواجهة المسلحة التى أحبطت المخطط.
ونستطيع أن نقرأ العديد من الدلالات فى البيان المنشور والفيديو المرفق والذى تناول تصويراً حياً لعملية الاقتحام والمواجهة، لكن سأركز على اثنتين فقط، لأن العملية بالفعل تحتاج إلى أكثر من مقال وليس مقالاً واحداً.
تظل أبرز تلك الدلالات ما ظهر فى الفيديو الذى عرضته «الداخلية» للعملية من وضع العلامة الخاصة بحركة ميدان إلى جوار العلامة الخاصة بحركة حسم على الشاشة. علماً بأن البيان والفيديو تحدثا تفصيلاً عن العملية، لكن الإشارة إلى «ميدان» شديدة الذكاء رغم حداثة تدشين الحركة، ومحاولة مكتبها السياسى نفى أى صلة لها بجماعة الإخوان!
ظهرت حركة ميدان للمرة الأولى فى مؤتمر التغيير الذى نظمته جبهة محمد كمال فى إسطنبول عام 2021. ثم عادت للظهور مرة أخرى قبل بضعة أشهر بفيديو منشور على يوتيوب أعلنت فيه حركة ميدان ما وصفته بمشروع ميدان للتغيير أو سيناريو ميدان؛ قالت فيه نصاً إن التغيير فى مصر أصبح ضرورياً وحتمياً، وإن أول الطرق للتغيير هو العمل على نشر الفوضى فى مصر!
اللافت للانتباه أن المسئول والعقل المدبر لحركة حسم هو الإخوانى الهارب يحيى موسى، الموضوع على قوائم الإرهاب فى مصر وأمريكا والسعودية والإمارات والبحرين. وهو أيضاً فى نفس الوقت عضو المكتب السياسى لحركة ميدان، إلى جوار الإخوانى رضا فهمى، عضو البرلمان فى حكومة الإخوان عن حزب الحرية والعدالة، يزاملهما أيضاً محمد منتصر، المتحدث السابق باسم الإخوان، وعضو جبهة الكماليون «تيار التغيير».
إشارة وزارة الداخلية لم تكن عشوائية، وليست مجرد تستيف للأوراق؛ فالمتابع لمشهد الإخوان فى الخارج سيكتشف تعدد الجبهات والانشقاقات التى وصلت بالإخوان لأكثر من ثلاث جبهات تتصارع على إدارة التنظيم وعلى إدارة أمواله وشركاته فى أوروبا.
بين جبهة إسطنبول المحسوبة على الأمين العام السابق محمود حسين، والتى اختارت لها رجل الأعمال البريطانى من أصل مصرى مصطفى طلبة قائماً بأعمال المرشد، وهناك جبهة لندن المحسوبة على الراحل إبراهيم منير، والتى أعلنت صلاح عبدالحق الإخوانى المقيم فى لندن قائماً بأعمال المرشد.
ثم نأتى للجبهة الثالثة، وهى جبهة محمد كمال المشهورة بجبهة المكتب العام - تيار التغيير أو جبهة الكماليون، وهى التى دشنت العمل المسلح منذ فبراير 2014 تحت عدة مسميات، سواء كتائب الشرعية أو المقاومة الشعبية أو لواء الثورة، ومؤخراً حركة سواعد مصر - حسم، وجميع تلك الحركات هى مجرد إعادة تسمية للنظام الخاص، الجناح المسلح للجماعة، فى محاولة لإضفاء طابع ثورى على الحركة يدفع عنها التاريخ الأسود للنظام الخاص.
تلك المعلومات والأسماء التى أوردتها سلفاً قد تظهر للقارئ سهلة المنال أو متاحة، بيد أن الحقيقة على العكس من ذلك تماماً؛ فالصراع بين جبهات الإخوان دفعها للعودة إلى الجحور والعمل بشكل سرى تام، ما يجعل إشارة وزارة الداخلية إلى حركة ميدان، فى بيان القضاء على مخطط حسم، إشارة شديدة الذكاء تحتاج منا لأكثر من قراءة ومقال.
المؤشر الثانى فى البيان الذى يستحق التحية والتكريم هو ما صدر من الضابط الذى أصيب أثناء سعيه لإنقاذ مواطن صادف مروره أثناء الاشتباكات، فعل ذلك بروح التضحية التى عهدناها دائماً من رفاقه فى المقدمة منهم شهيد الكتيبة 103 مقدم أحمد منسى.
لم يتردد الضابط لحظة فى الإقدام وسط مواجهة مسلحة مع عناصر إرهابية شديدة الخطورة فى محاولة لإنقاذ الشاب الذى سقط شهيداً للأسف، سقط وهو فى طريقه لأداء صلاة الفجر، سقط شهيداً وهو على وضوء فى الوقت الذى تحاول فيه عناصر الإخوان بكل ما تملك إثارة الفوضى فى مصر بحجة تأسيس الدولة الإسلامية، فهل من تأسيس الدولة الإسلامية قتل المسلمين الآمنين وهم فى طريقهم للصلاة؟!