العدالة الاجتماعية روح ثورة يوليو
كانت العدالة الاجتماعية أحد المبادئ الستة التي أعلنتها ثورة يوليو 1952، لكنها لم تكن مجرد شعار نظري، بل تحوّلت إلى نهج عملي غيّر وجه المجتمع المصري وكتب صفحة جديدة في تاريخه. أدرك جمال عبد الناصر، بحسّه الثوري وهمّه الوطني، أن بناء دولة قوية لا يمكن أن يتم في ظل مجتمع تحكمه الامتيازات الطبقية والفوارق الحادة بين الأغنياء والفقراء. لذا كانت رؤيته تقوم على إزالة الحواجز بين الطبقات، وتذويب الفوارق الاجتماعية، وبناء مجتمع الكفاية والعدل.
في ظل هذه الرؤية، أصبح التعليم السلم الفعلي للترقي الاجتماعي، لا الثروة ولا الحسب ولا النسب. فُتحت أبواب المدارس والجامعات لأبناء الفلاحين والعمال وأبناء الطبقة الوسطى، ولم تعد الوظائف حكرًا على طبقة اجتماعية بعينها، صار التميز والكفاءة هما المعيار. من خلال مجانية التعليم، وسياسات التوظيف، ودور الدولة في تمكين الأكفاء، بدأت الطبقة الوسطى في الاتساع حتى شملت النسبة الأغلب من المصريين، فتحقق بذلك الحلم الذي راود الثوار بأن يكون المواطن شريكًا في بناء وطنه لا تابعًا أو خادمًا لملاك الثروة.
لم تكتفِ الثورة بذلك، بل تبنّت الدولة مبدأ امتلاك وسائل الإنتاج وإدارتها باسم الشعب، فجعلت من القطاع العام أداة للتنمية الشاملة والتوظيف الواسع، ومنحت أبناء الشعب فرصًا حقيقية لتولي المسئولية، فانطلقت كوادر مصرية شابة – من أبناء الريف والمدن الصغيرة – تقود الوزارات، وتُدير المصانع، وتُشرف على المشروعات الكبرى، وتُثبت أن المواهب لا تتبع الطبقة بل الإرادة والفرصة. غيّرت الثورة البنية الاجتماعية في مصر، وخلقت مجتمعًا جديدًا وحرّرت الإنسان من قيد الفقر والجهل والمرض، وجعلت العدالة الاجتماعية واقعًا معاشًا، هو في حقيقته جوهر الاشتراكية التي طبّقتها مصر بمعناها الوطني والإنساني، لا العقائدي فحسب .
شكّل صدور قانون الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر 1952 الخطوة العملية الأولى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وكان بمثابة زلزال ضرب البنية الطبقية المتكلسة التي حكمت الريف المصري قرونًا طويلة. كانت الأرض في يد قلة قليلة من كبار الملاك، بينما يعيش الملايين من الفلاحين في فقر مدقع، يكدحون من الفجر إلى المغيب دون أمل في التملك أو تحسين أحوالهم. أدركت ثورة يوليو أن هذه المعادلة الجائرة لا يمكن أن تستمر، وأن بناء مجتمع عادل يبدأ بتحرير الفلاح من عبودية الإقطاع. جاء القانون ليحدد سقف الملكية الزراعية، فنزع ما زاد عن مائتي فدان من يد الإقطاعيين، وأعاد توزيعها على صغار الفلاحين، ليحصلوا لأول مرة على أرض يمتلكونها ويزرعونها ويعيشون من خيراتها. لم يكن الأمر مجرد إعادة توزيع للثروة، بل كان تأسيسًا لعدالة جديدة تُنهي عصور الامتياز، وتُعلي من قيمة العمل، وتضع حجر الأساس لمجتمع تُتاح فيه الفرص للجميع.
رافق هذا التحول إجراءات أخرى مثل تأسيس التعاونيات الزراعية وضبط الدورة الزراعية ، وتوفير القروض للفلاحين، وتحديث أساليب الزراعة، ما جعل الإصلاح الزراعي مشروعًا تنمويًا متكاملاً لا مجرد إجراء سياسي. وكان لهذا القانون أثر عميق في خلق حالة من الانتماء الوطني لدى الفلاحين، الذين شعروا لأول مرة أن لهم حصة في الوطن، وأن الثورة جاءت لتكون صوتهم وسندهم.
أعاد قانون الإصلاح الزراعي الاعتبار لفئة تم تجاهلها طويلًا، وفتح الطريق أمام صعود اجتماعي جديد، تلاقى فيه الفلاحون مع أبناء الطبقة الوسطى في مشروع وطني واحد. وكان هذا القانون – بتوقيته ورمزيته ونتائجه – التجسيد العملي لشعار العدالة الاجتماعية، وهو ما منح ثورة يوليو شرعيتها الشعبية، ورسّخ مكانة عبد الناصر كزعيم يضع الفقير في قلب معادلة الحكم.
منذ لحظتها الأولى، كانت ثورة يوليو 1952 ثورةً إنسانية في جوهرها، لم تستهدف تغيير نظام الحكم أو الإطاحة بالملك فحسب، بل أرادت أن تبني وطنًا جديدًا جوهره الإنسان، وطاقته الدافعة المواطن الذي كان مهمّشًا لعقود طويلة. لم تنظر الثورة إلى الإنسان كأداة إنتاج فقط، بل رأته قيمة عليا، وثروة حقيقية يجب مراعاتها وتنميتها، فجاء حرصها الشديد على الارتقاء بمكانة المواطن اجتماعيًا وثقافيًا، فصار من الأولويات جعل التعليم حقًا مقدسًا لكل مواطن، لا امتيازًا للطبقة الثرية .
جاءت مجانية التعليم الجامعي قرارا ثوريا، محطم للقيود، مفجّرٍ للطاقات، إذ أزالت الحواجز أمام ملايين الفقراء الذين حُرموا من فرصة التعليم بسبب الفقر والتمييز الاجتماعي. فتحت المدارس والجامعات أبوابها لأبناء الريف والطبقة الوسطى، فالتحق بها من كانوا بالأمس يقتصر عملهم في الحقول والمصانع والورش، ليخرجوا منها مهندسين وأطباء وقضاة وضباطًا وعلماء وقادة. تحوّل التعليم إلى وسيلة فعلية للترقي الاجتماعي، ولم يعد حكرًا على طبقة أو فئة.
بعد تطبيق مجانية التعليم صارت مصر في طليعة الدول التي وفّرت تعليمًا جامعيًا مجانيًا في منتصف القرن العشرين. كما توسعت الدولة في بناء الجامعات والمعاهد العليا، وأنشأت مدن الطلبة والطالبات، وقدمت الوجبات المجانية، والسكن الجامعي، والدعم الثقافي، فشعر الطالب أن وطنه يستثمر فيه، وأنه ليس متروكًا لمصيره.
إن فلسفة الثورة في هذا الصدد كانت واضحة: إعداد الإنسان البداية الحقيقية لأي مشروع نهضوي. بالعلم تُبنى العقول، وبالمعرفة يُهزم الجهل، وبالإنسان المتعلم تُصنع الحضارات. ومن هذا المنطلق، كان التعليم عماد العدالة الاجتماعية، وبوابة الأمل، وجسرًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا.