«الثانوية العامة» وسوق العمل وكليات القمة

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

عندما كتبت عن البطالة فى سوق طب الأسنان والصيدلة غضب منى أولياء الأمور الحالمون بالبرستيج، ومعهم أصحاب الجامعات الخاصة الذين يعتبرون أن لوجو الطب والصيدلة هو مصدر الجذب الرئيسى والدخل المضمون والمكسب السريع والإقبال الجارف، لكن لا بد بلغة الطب من فتح الخراج بالمشرط وإخراج أم القيح، نواة المرض وأساسه، هل المائة ألف طبيب أسنان وما يتجاوزهم من صيادلة لهم سوق عمل؟.

هذا هو السؤال المهم الذى لا بد أن تجيب عنه كطالب قبل أن تكتب رغبات التنسيق، هل سأجد تدريباً مناسباً كطبيب أسنان؟، هل عندى إمكانيات فتح عيادة؟، وإذا فتحت عيادة هل دراسة الجدوى تؤكد أن المرضى فى الحى أو الشارع سيأتون إليها؟، هل أنا كصيدلى عرفت عدد الصيدليات فى الشارع الذى أقطن فيه والتى أصبحت أكثر من أكشاك البقالة؟!، هل أنا دربت نفسى على العمل فى شركة أدوية كبيرة؟، وهل سوق الدواء يتحمل؟، هل عدد أكثر من ٨٠ كلية طب أسنان عدد منطقى؟!، هل فكرت كطالب فى كلية التمريض مثلاً كحل عملى؟، هل سألت عن النقص فى أعداد التمريض وحاجة مصر الملحة لهم؟، هل عرفت أن سوق الخليج متعطش للتمريض الماهر المتخصص مثل تمريض العناية المركزة؟.

هذا مجرد مثال، لكن لا بد قبل أن نخطو أى خطوة أن ندرس سوق العمل، فعندما يتشبع سوق العمل بمهنة ما، يصبح أى خريج من تلك المهنة رقماً مضافاً فى طابور البطالة الطويل الممل، وقنبلة إحباط مستعدة للانفجار فى أى لحظة، لا بد من الآن أن تصدر المراكز المتخصصة خريطة لسوق العمل المصرى والوظائف التى تعانى من نقص، حتى يصبح اختيار الطلبة غير عشوائى، مبنياً على بصيرة واضحة وقرارات مدروسة، لا تتركوهم للمزاج أو أحلام اليقظة ورغبات الأمهات وأمنيات الآباء الوردية التى تتكسر على صخرة الواقع الذى لا يجامل.

أنت من الممكن أن تصرف كأب فى مسيرة الجامعة الخاصة ملايين بمعنى الكلمة، من مصاريف وكتب وأدوات ومواصلات وكافيتريات.. إلخ، ولو فكرت فى كلية قريبة أنت تعتبرها ليست من كليات القمة بتقييمك، لوفرت كل تلك الملايين وأنجزت بها مشروعاً لابنك عند التخرج، أما تعبير وتوصيف كليات القمة فهذا توصيف خادع وغير علمى، فكل دراسة تحبها ومتفوق فيها هى كلية قمة، هل كلية العلوم كلية قاع مثلاً؟، أعظم دراسة تتقدم وتتحضر بها الأمم تعتبرونها كلية منبوذة؟!، علم الفيزياء الذى جعل أمريكا وأوروبا والصين واليابان سادة العالم اقتصادياً وتكنولوجياً، تعتبرونه علماً هامشياً يدرس فى كلية ليست كلية قمة؟!

هذا عبث لا يليق، الفيزياء التى أنتجت الليزر والمنظار والسمارت فون والقمر الصناعى والرنين المغناطيسى والمفاعل النووى.. إلخ، تتعاملون معها كزائدة دودية؟!، هل لم يبلغكم النبأ الرهيب بعد، أن الطب بدون فيزياء مجرد دكان عطارة!، وأن الهندسة بدون فيزياء هى عودة لزمن فيثاغورس؟! لا بد أن يفكر طلابنا ومعهم أسرهم خارج الصندوق المغلق المصمت الجاهز، فلنقاوم كسل العقل وننقب عن ثغرة فى جدار كهف الأمنيات الزائفة والأكاذيب المريحة.