ناصر عبدالرحمن يكتب الشخصية المصرية (32):ابن بلد
يا لها من جملة، ابن البلد ملخَّص المصرى، نقطة ارتكاز وحجر أساس للشخصية المصرية، وعيت على الدنيا وجملة «ابن بلد» تتردد بلا انقطاع، تُنهى اختلافاً وتفتح طريقاً، «ده ابن بلد.. دى بنت بلد».. جمل سحرية مخصوصة، تفرق بين مقام ومقام، وتفرز الأصيل عن العويل وعن البراشوت وعن الحملة، وعن الأشفور وعن الواقع، فخر وعزة المصرى كونه ابن بلد، ولكى نفهم بعض المقاصد والمعانى من هذا التعبير، علينا أن نعرف أنه تعبير يتضامن مع الجدعنة وخفة الظل والكرم والتحمل والخدمة والذكاء والتسامح والتكاتف والترفع والأمانة والمزاج والصوت العالى والجنون والانتماء لمكانه وحيه ومنطقته وشارعه، كلها فى قلب ابن البلد ومن نسيجه وسبب رد فعله.
ابن البلد إضافة وزيادة ولقب ومقام، دكتور وابن بلد يختلف عن الدكتور العادى، محامٍ وابن بلد يختلف عن المحامى العادى، الدكتور ابن البلد يحترم الأعراف ويرفض أخذ ثمن كشف العيادة وله الكثير من «الدقات» الطيبة، يعطى أدوية مجانية ويذهب لأبناء سكنه مجاناً، المحامى ابن البلد لا يستغل أبناء منطقته، ويدافع عن حقوقهم برقبته، المهنى ابن البلد جوهرة منطقته اللامعة، أول ما يفعله الأب يربى أبناءه على الجدعنة والرجولة، لكى يجعل ابنه ابن بلد وبنته بنت بلد، فإذا اطمأن إلى أن ابنه فيه صفات ابن البلد تدب الثقة فى قلب الأب، ممكن أن يكون فى الشارع ألف شخص ولا تجد إلا ابن بلد أصلى، وجود ابن البلد فى شوارعنا وحوارينا صمام أمان، تجد الإشارة نحوه والاستئذان منه، مسئول يحمل مسئولية شارعه، لذلك تجد المشاحنات والصراعات بين أولاد البلد شديدة ومستمرة.
الفتوة: وجه الفتوة من وجوه ابن البلد، تجده يغلق الحارة ويفتح أبوابها، يُشهر سلاحه فى وجه الغريب، وتجد بنت البلد وأجمل صورة للأنثى الجدعة، تختار حبيبها ابن البلد، تجده رهن إشارتها يحارب من أجلها، فإذا غاب أو سُجن تنتظر رجوعه بالسنين، نجيب محفوظ سجل الفتوة فى رواياته كإشارة واضحة لقانون الفتوة، لكنه لم يذكر أن هناك فتوة صنيعة الإنجليز ومعه باسبور إنجليزى وهو مخصوص لصنع الفتن ودب الخنوع والخوف فى الحارة، كما أن هناك حروباً بين الفتوة الإنجليزى والفتوة ابن البلد لم تنتهِ إلا وقت خروج الإنجليز، ليستمر استثمار ابن البلد ومحاولة استمالته لصالح أصحاب النفوذ.
ابن البلد مذكور فى كتب مقاومة الاحتلال، تجده تحت اسم على الزيبق، إبراهيم الوردانى ابن بلد، وتجده على لسان مغنى السيرة المصرى، الذى يحول سيرة الهلالى إلى سيرة ابن البلد، تجده فى حواديت الجدة تحت اسم الشاطر حسن، وتجده فى بطولات المسرح والأفلام فى السينما.. البطل التراجيدى صاحب الهدف النبيل الذى يتحمل سقطته الدرامية، الذى يحرك الحدوتة للأمام ويتجاوز العثرات وينتصر فى صراعه الذى يواجهه ويكشف المؤامرات، تجده يقلد ابن البلد الشعبى ويتمثل به، وكلما اقترب وأقنع الجمهور بأنه يمثل ابن البلد نجح، فريد شوقى جسَّد أدوار ابن البلد، وعادل إمام وأحمد زكى ومحمود عبدالعزيز ونور الشريف، والآن شارع ابن البلد خالٍ لم يجسده ممثل بعدهم، لكنهم فضلوا تجسيد أدوار الأكشن كوميدى والشخص الأبدى الذى ينتقم ويرغب فى الوصول والحصول على المال، تركوا ابن البلد الذى يدافع عن منطقته، الذى يفتخر بكونه ابن بلد ومن حى شعبى كالجمالية والدرب الأحمر وروض الفرج.
والفرق بين ابن البلد والمتسلق الذى يصعد على سلالم ولاد البلد ليصبح غنياً يجاور الأغنياء وأصحاب المصالح، فرق بين ابن البلد وبين ابن الجوع، الفرق بين ابن البلد وبين ابن الفساد، الفرق بين ابن البلد وبين المتنطع المنافق الذى يرتدى وجوه ابن البلد وهو يكرههم، والأمثلة كثيرة من نجوم البشرة السمراء الذين صعدوا على أكتاف النساء وعلى أكتاف التطبيع وعلى أكتاف التطبيل، ابن البلد موقف، ابن البلد حتى لو كان من الأغنياء، رشدى أباظة عشق حياة ابن البلد فعاش بروح ابن البلد فى حياته الحقيقية وحياته الفنية، ابن البلد ما زال يحيا رغم اختلاف الحياة الآن، يعيش بصعوبة رغم محاولات إبعاده وإظلام صورته، يعيش رغم إطفاء مسرحه لصالح إظهار آفات ضارة على شكل بطل، ابن البلد هو الحارس الأمين لصفات المصرى الأصيل، وجوده يعكس صلاح الشارع المصرى ويميز الحارة المصرية، ابن البلد مرآة تعكس صفات الشخصية المصرية الشابة، أما محاولات إفشال وجوده، وخلق نماذج خفيفة واهية تتعلق بأنهار السراب، تظهر لكى تبث الإحباط والخنوع فى قلب جيل مصر الشاب
كلما شاهدت ابن البلد أنت تشاهد مصر التى هزمت التتار وانتصرت فى حطين وعبرت فى أكتوبر 73، الشخصية المصرية لها حضور وظهور يتمثل فى ابن البلد، الشخصية المصرية لها علامات، من أهمها وجود ابن البلد الذى يظهر وقت الأزمات، أثناء ثورة يناير كان وجود ابن البلد مثالياً وضرورياً، مثالى لأنه كان الحل وكان القدوة التى صنعت الحماية من البلطجية وقطاع الطرق، كان يقف على ناصية الشارع والحارة ووسط الميدان، يحمى البيوت ويجاور المحتاج ويُطمئن الناس، ابن البلد، سواق الأوتوبيس حسن الذى جسَّده نور الشريف، الذى حاول أن ينقذ مصنع أبيه، الذى حاول جمع شتات إخوته، الذى حاول إنقاذ زواجه من ميرفت.
الحريف، ابن البلد الحريف، الذى هزمته الظروف وهزمه الفقر، وأنقذته موهبته، ابن البلد على فى فيلم المدينة، الذى هاجر لأوروبا هجرة غير شرعية، لكى يتحقق، فهزمته المدينة مرتين، وفى الثالثة أنقذ حبه وموهبته، وتحقق بمواجهة مدينته، ابن البلد، هو قصد الشخصية المصرية وعترتها، من أراد هدم الشخصية المصرية عليه إضعاف ابن البلد ومحاربته، إن ابن البلد بالنسبة للشخصية المصرية مثل الباب للسكن، مثل السور الحامى، من يحب بلده يساند ابن البلد ولا يقطع عليه أنفاسه، بلادنا لها ملامح وصفات، منها ملامح ابن البلد وصفاته، العولمة والذكاء الاصطناعى والكون العالمى ضد تميز واختلاف البطل المصرى، المتمثل فى ابن البلد.. اللهم فاشهد.