يوسف إدوارد يكتب: «فطنة طائفية».. حين يكون التنوع حافزا للنضج
يوسف إدوارد يكتب: «فطنة طائفية».. حين يكون التنوع حافزا للنضج
هل أصبح تنوعنا بوصلتنا للنضج، أم قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار؟ في عالم يزداد انقسامًا، تبدو الطائفية ـ أو ما يشبهها من صور الانتماء الضيق ـ تهديدًا للمجتمعات من الداخل. ولكن، في جوهر الأمر، ليست المشكلة في وجود التنوع ذاته، بل في طريقة إدارتنا له.
ولعلني أجد هنا ضرورة الإشارة بوضوح إلى مفهوم الفطنة الطائفية بهذه الدقة والتسمية؛ مصطلح وُلد من تأملاتي الخاصة ورغبتي في تقديم رؤية جديدة لا ترى في التعدد أزمة، بل تعتبر تدبيره الواعي محورًا للنضج الجماعي. الفطنة الطائفية ليست أزمة في الطائفة نفسها، بل عنوانًا لسلوك فكري وأخلاقي واجتماعي، أطرح رؤيته كفكرة وممارسة، تتجاوز الشعارات نحو فهم أعمق للتعايش والارتقاء بالمجتمع.
الفطنة ليست شعارًا يرحل مع الزمن، بل ممارسة عقلانية متأنية. هي القدرة على الاعتراف بالتعدد الديني والاجتماعي والثقافي، دون أن يتحول هذا التعدد إلى نزاع مفتوح. مهارة جماعية تُحوِّل الاختلاف من مادة للخوف إلى مصدر للتكامل والازدهار، ومن حالة قلق دائمة إلى مناخ ناضج للتعايش.
في كل مجتمع تعددي، تُعرض خيارات محددة: الإنكار الذي يُنتج التهميش والتطرف، أو الاعتراف الذي يفتح الباب لبناء شراكات مرنة بين مكوناته. التعدد ليس تهديدًا للوحدة، بل اختبار لقدرة المجتمع على إنتاج نموذج متقدم يحترم الاختلاف بدل تذويبه أو تزييفه.
لكن احترام الآخر لا يتحقق إلا بمعرفة عميقة، لا بفضول سطحي. حين نفهم جذور طقوسه، دوافع مواقفه، وحدود حساسيته، نتوقف عن الحكم المسبق ونبدأ بفتح أفق التفكير. فالاحترام يزدهر عندما لا يكون مستمدًا من الخوف، والخوف من المختلف يزول برؤية المعرفة، لا بالأوهام والقوالب المسبقة.
مسؤولية هذا التحول الكبرى تقع على عاتق الإعلام، التربية، الدراما، وربما حتى المقهى والنادي كمساحة اجتماعية بديلة. إذ كثيرًا ما تشكلت الصور النمطية عن «الطائفي الآخر» عبر محادثات عابرة تبدأ بـ:«أنا مش عنصري طائفي، ولكن الآخر كذا وكذا..»، حيث يخزن اللاوعي تراثا قديمًا ليزيد الانقسامات عمقًا.
في الأحياء الشعبية، تتشكل فطنة طائفية فريدة لا تنبع من نظريات رنانة، بل من تداخل العلاقات اليومية، وتوازن إنساني متوارث، وحس شعبي فطري. حيث تتشابك الأيدي على مائدة واحدة، وتتقاطع الحكايات بسلاسة بين زوايا الحارات، تنمو حكمة التعايش في عمق الاحتكاك، لا في تلميع الخلاف.
الوعي الجمعي هناك يرى في الآخر شريكًا في خبز اليوم وقلقه، لا ندًّا وجوديًا. لا تُنظر الطائفة كهوية مغلقة، بل كعنصر في نسيج أوسع تتحكم فيه المصلحة النبيلة والعِشرة الطويلة والذاكرة المشتركة، فرحًا وحزنًا.
حين تقترب أزمة الحياة اليومية، تختفي أسئلة الانتماءات الحزبية، ويصبح السؤال الوحيد: «هل أنت محتاج شيء؟» أثناء أزمات الأحباء البسيطة، وجدت الحارات نفسها يدًا واحدة، تتقاسم احترامًا مشتركًا أسقط حدود الانتماء لصالح الإنسانية.
وعصريًا، تمثل كندا نموذجًا راقيًا لإدارة التنوع الثقافي والطائفي؛ تعترف رسميًا بالتنوع وتوفر قواعد واضحة تحمي خصوصيات كل جماعة ضمن احترام القانون العام. كندا تحتفي بتنوعها، ويظهر ذلك في قبول الهجرة الكبير، ورضا المجتمع، وانخفاض العنف القائم على الهوية. لا تسعى لإذابة الفوارق، بل تنظيمها على أسس العدالة والمواطنة: «لك أن تكون أنت، فقط لا تؤذِ أحدًا».
الهدف هنا هو أن ننتقل من رؤية مغلقة متنافرة إلى رؤية مركبة شاملة. تتحول العلاقات من تنافر وصراع إلى احترام وتعاون. هنا، لا تهدم الفطنة الطائفية التعدد، بل تُؤصِّله أخلاقيًا وقانونيًا، وتحمي هوية المجتمع دون المساس بوحدته الوطنية.
الفطنة الطائفية ليست رفاهية فكرية أو خيارًا هامشيًا. إنها ضرورة وطنية تضع التنوع مصدر قوة، لا سبب صراع. المجتمع الذي يحتضن اختلافاته بمنطق الفطنة هو مجتمع المستقبل المستقر والواثق.
يوسف إدوارد، مدير الإعلام بالهيئة القبطية الإنجيلية