سامح فايز يكتب: حقيقة إرهاب الإخوان (3)
حالة من الدهشة أعيش معها عندما تتعلق المسألة بالحديث عن جماعة الإخوان وردودها على الاتهامات المتتالية بالإرهاب؛ فمنذ العبارة الأشهر للإرهابى الأول حسن البنا عندما قال رداً على اتهام النظام الخاص باغتيال القاضى المصرى أحمد الخازندار: «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»، وصولاً إلى تعليقات الإخوان على فيديو «حسم» وترديدهم أن النظام المصرى هو من نشر الفيديو ونسبه إلى الإخوان (ظلماً).
على مدار كل ذلك التاريخ من الإرهاب والقتل يقف الإخوان بثبات، وهم يؤكدون أنهم لم يرتكبوا القتل يوماً. يصدق أنصار الإخوان، ويصدق غير الأنصار أحياناً. ويدافعون بكل قوة عن التنظيم والجماعة، ويروّجون أنها جماعة دعوية سلمية لا تعرف العنف، وتمتلئ مكتبة الإخوان بمئات الكتب والإصدارات التى تدافع عن التنظيم والجماعة وتروج على الجانب الآخر مظلومية التنظيم وقهر الأنظمة الحاكمة المتتابعة، مؤخراً انتشر فى أدبيات الإسلاميين ما يُعرف بأدب السجون، متأثرين فى ذلك بكتابات بعض قادة اليسار المصرى عن تجربتهم داخل السجن.
وقبل سنوات اخترق الروائى الأردنى أيمن العتوم ذلك العام بمجموعة من الروايات التى تُوثّق حكايات الإخوان فى السجن، و«العتوم» هو ابن «على العتوم»، أحد أهم قادة الإخوان فى الأردن، وللعتوم الرواية الأشهر «يا صاحبى السجن»، وثّق فيها تجربته الشخصية عندما سُجن لانتماءاته الدينية المتطرّفة نهاية التسعينات، وفى السجن قابل أبومصعب الزرقاوى ومحمد المقدسى، وكتب ذكرياته معهم فى شكل أدبى!
فى تلك الكتابات التى لا حصر لها تعمد الجماعة إلى بناء وعى جديد مزيف تماماً، لا تجد فيه إرهاباً ولا عنفاً دينياً ولا قتلاً ولا اغتيالات، ستجد فيه على الجانب الآخر ظلماً للإخوان وتعذيباً لقادتهم وقهراً فى السجون وتنكيلاً بالشباب.
وقد تميز فى ذلك النوع من الكتابات أحد أبرز الصحفيين المحسوبين على التنظيم فى السبعينات والثمانينات «جابر رزق»، ابن قرية كرداسة، وكتابه الأشهر، والأغرب أيضاً، «مذابح الإخوان فى سجون ناصر»، وإذا حاول أحدكم قراءة الكتاب سيجد نفسه وقد عاش فى دراما خيالية بالكامل، دراما تتحدّث عن شياطين الإنس الذين يطلقون الأسود والفهود على عباد الله الإخوان فى السجون، وكيف أنهم فى إحدى المرات توقف الأسد ثم جلس أمام عبدالله الخاشع لما أدرك أنه عبد ربانى. من الأفضل قراءة الكتاب لأننى لو نقلت فقرات منه فلن يُصدّقنى أحد من غرابتها!
للأسف أسهم حكم «السادات» فى التكريس لتلك السردية المزيّفة دون قصد، فالمجال السياسى الذى فُتح أمام الإخوان فى حكم السادات فى محاولة لإقصاء اليسار المصرى واكبه دعم درامى وفنى أيضاً، فقدّمت السينما فيلم «إحنا بتوع الأوتوبيس»، الذى يبنى خيطه الدرامى على سردية التعذيب البشع للمصريين فى سجون الفترة الناصرية، ومن بينهم بالطبع الإخوان. أذكر عندما كنت طفلاً فى الإخوان عام 1996 كيف جمعنا مسئول الشعبة فى بيت أحد قادة الأشبال لنُشاهد فيلم «إحنا بتوع الأوتوبيس»، وخرجنا حينها ونحن نحمل غضباً شديداً لا يتناسب نهائياً مع سننا الصغيرة، فكيف بعبدالناصر أن يُعذّب المصريين بذلك الشكل ويقهر كرامتهم.
احتاجت منى المسألة عقدين من الزمان حتى تخلصت من أوهام الإخوان التى زرعوها فى عقولنا عن فترة عبدالناصر وعن تعذيب الإخوان فى السجون، وعن اتهامهم ظلماً بممارسة القتل، ذلك الظلم الذى سقط أمام عينى على أعتاب ثورة 25 يناير وما بعدها، وصولاً إلى أحداث الاتحادية، ثم أحداث الحرس الجمهورى، ثم مواجهات رابعة العدوية فى مدينة نصر، ومواجهات النهضة فى ميدان الجيزة.
ما سبق يشير إلى أن التعامل مع توثيق إرهاب الإخوان، أو حتى مجرد البوح به والكشف عنه سيكون تعاملاً مرهقاً، فالمسألة ببساطة أن التنظيم يعمل منذ سنوات بشكل منظّم ومتراكم على خلق سردياته الخاصة. اعتمد فى ذلك على الكتب المنشورة وعلى المقالات الصحفية وعلى السينما وعلى التوسّع فى نشر مذكرات الإخوان المسجونين.
فى الوقت نفسه اشتغل «التنظيم» بنفس القوة على التسخيف والتقليل من ردود المخالفين، واتهامهم فى ذمتهم وموضوعيتهم، بالتالى تكون النتيجة أن عبارة «هو كل حاجة إخوان»، تلك العبارة الدارجة أصبحت جملة راسخة فى الوعى الشعبى للغالبية من المصريين، حتى من أعداء الإخوان، عندما نحاول أن نُذكرهم بجرائم التنظيم!