الإخوان من 48 إلى تظاهرات تل أبيب.. الخيانة متأصلة

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

من حسن البنا إلى مظاهرة تل أبيب، الخط واحد، والوجه لم يتغير، فى مشهد يكشف عن مدى الانفصام السياسى والتاريخى الذى تعيشه جماعة الإخوان. دعا «اتحاد المساجد فى الداخل الفلسطينى» -التابع للجماعة- إلى تظاهرة أمام السفارة المصرية فى تل أبيب، عاصمة دولة الاحتلال الصهيونى، اعتراضاً على مواقف الدولة المصرية، وقد جاءت هذه الدعوة بترخيص وموافقة إسرائيلية رسمية، بل إن وسائل إعلام مصرية وثَّقت أن بعض المشاركين فى هذه التظاهرة رفعوا العلم الإسرائيلى أثناء التنديد بمصر، فى لحظة عبثية جداً تختلط فيها معانى التحريض والخيانة والتآمر والانفصال عن التاريخ والجغرافيا والواقع.

لكن هذا المشهد لم يكن استثناءً أو سقطة طارئة من الجماعة، بل له جذور ممتدة فى تاريخ جماعة الإخوان منذ نشأتها، وتحديداً منذ عام 1948 حين زار مؤسس الجماعة حسن البنا الأراضى الفلسطينية، وأطلق نداء «النفير العام» بزعم مناصرة فلسطين، لكنه لم يوجّه هذا النفير إلى قلب العدو طوال الوقت، بل نقله إلى قلب مصر، فكانت التفجيرات والمفرقعات والاغتيالات تضرب القاهرة، فى استهداف عبثى طال منشآت ومؤسسات وشخصيات يهودية ومسيحية ومسلمة داخل مصر، وليس ضد قوات الاحتلال الصهيونى على أرض فلسطين!

وقد اعترفت الجماعة فى أدبياتها ومواقعها بتنفيذ هذه العمليات، لكنها بررتها بأنها كانت «ضد منشآت يهودية» كرد فعل على المجازر الصهيونية، مع أن الحقائق تقول إن يهود مصر كلهم لم يكونوا متورطين فيما يجرى هناك، كما أن واجب الرد على جرائم الاحتلال لا يكون عبر تفجيرات فردية خارج إطار الدولة، بل يكون من خلال قنوات رسمية ومؤسسية تحفظ الأمن وتخدم القضية دون فوضى.

فى هذا السياق، شهدت القاهرة عدة تفجيرات عام 1948م، فى حارة اليهود، حيث وقع انفجار كبير هز الحى المشهور، وتفجير محل داود عدس، عند تقاطع شارعى عماد الدين والألفى، ومتجر «جاتينيو» للملابس فى شارع عدلى، محل «بنزايون» للملابس فى عمارة وقف أحمد مظلوم، وشركة المعادى للتعمير، وشركة الإعلانات الشرقية قرب سينما «الكوزمو»، وتفجيرات شارع السد وغيره من المواقع المدنية الحيوية فى قلب القاهرة.

ضحايا هذه العمليات لم يكونوا يهوداً فقط كما قلنا، بل سقط مسلمون ومسيحيون فى دائرة العنف الأعمى، وارتجت القاهرة تحت وقع الفوضى، وسالت الدماء فى غير ساحة معركة، فيما كان الاحتلال هناك... والإخوان يفجرون هنا!

الكاتب والباحث وسيم عفيفى وثَّق هذه الوقائع فى دراسة مهمة، موثقاً بالأدلة أن ما نراه اليوم من مواقف غريبة وصادمة من الجماعة ليس انحرافا طارئاً، بل امتداد مباشر لجذور متأصلة من التحريض والتخريب والعبث الوطنى منذ نشأتها الأولى.

ما حدث أمام سفارة مصر فى تل أبيب هو إعادة بث لرسائل قديمة: رسالة مفادها أن الجماعة حين تختلف مع أوطانها، لا تجد حرجاً فى الاصطفاف مع العدو، وتغليف الخيانة بشعارات دينية.

قال الكاتب: «إن مجمل هذه الوقائع يوضح أن استغلال القضية الفلسطينية لم يكن وليد اليوم، بل هو نهج قديم من جماعات المتاجرة بالدين والسياسية، أما الدعوة اليوم إلى التظاهر داخل إسرائيل ضد مصر بحجة جرائم الاحتلال فما هى إلا امتداد لهذا النهج، غير أن الفارق الحقيقى بين الأمس واليوم هو الوعى، والخطر الأكبر أن تؤدى مثل هذه الممارسات إلى خسارة فلسطين نفسها، من رصيد التعاطف الشعبى، والإيمان بقضيتها العادلة».