بوضعية الجلوس وقدماها متلاصقتان.. اكتشاف مومياء عمرها 1000 عام في بيرو

كتب: آية أشرف

بوضعية الجلوس وقدماها متلاصقتان.. اكتشاف مومياء عمرها 1000 عام في بيرو

بوضعية الجلوس وقدماها متلاصقتان.. اكتشاف مومياء عمرها 1000 عام في بيرو

أثناء أعمال توسعة روتينية لشبكة الغاز في مدينة بيرو، تحولت مهمة عمال الخدمات إلى اكتشاف أثري مثير، عُثر فيه على قبرين لم يُكتشفا من قبل، أحدهما كان فارغًا، بينما احتوى الآخر على رفات يعتقد أنها تعود لشخص عاش قبل أكثر من 1000 عام، ليفتح هذا الاكتشاف نافذة جديدة على تاريخ المنطقة القديم.

اكتشاف مومياء بوضعية الجلوس وساقها متلاصقين

ونقلًا عن الموقع العالمي «iflscience» يقول علماء الآثار إن هذا الشخص ربما ينتمي إلى حضارة سبقت إمبراطورية الإنكا، التي حكمت بيرو حتى الغزو الإسباني في القرن السادس عشر، إذ وُجدت المومياء بوضعية الجلوس، داخل لفافة ممزقة، مع تلاصق الساقين بشكل محكم إلى الصدر.

ولا يزال علماء الآثار يعملون على تنظيف الرفات، فيما تبقى هوية هذه المومياء البيروفية لغزًا حتى الآن، وإلى جانب الرفات، عُثر أيضًا على أربع أوانٍ فخارية وثلاث قطع أثرية مصنوعة من قشور اليقطين.

وقال عالم الآثار خوسيه ألياغا لوكالة رويترز: «تشير الأدلة المادية إلى أن الدفن قد يكون من ثقافة تشانكاي، التي تعود إلى نحو 1000 إلى 1200 عام».

تقاصيل الاكتشاف الأثري


فقبل صعود إمبراطورية الإنكا العظيمة، كانت المنطقة التي تشكل اليوم العاصمة البيروفية ليما موطنا لشعب التشانكاي، فكان التشانكاي قوة إقليمية صغيرة نسبيًا، وازدهرت بين عامي 1000 و1470 ميلادية.

ويستند معظم ما نعرفه عن حضارة التشانكاي إلى فخارهم المميز، الذي غالبًا ما كان يتضمن أواني شرب بوجوه بشرية أو دمى صغيرة تُوضع في القبور، وقد عُثر على إحدى هذه الأواني المجسمة في القبر، إلى جانب رفات المومياء المجهولة.

ومن جانبه يقول عالم الآثار خوسيه ألياغا إن وجود هذا النوع من الفخار الغني داخل القبر يشير على الأرجح إلى وجود مجمع دفن أكبر.

وأضاف: «من المحتمل أننا فوق مقبرة تعود إلى ما قبل الحقبة الإسبانية، إذ عثرنا على قبر آخر على مقربة من هذا الموقع».

المومياء تم العثور عليها في شارع مزدحم

ويُعد هذا الاكتشاف استثنائيًا بشكل خاص، نظرًا لأنه تم العثور عليه مباشرة تحت شارع مزدحم في المدينة، وعلى بُعد مترين فقط من بوابة أحد المنازل.

ومع ذلك، فإن هذا ليس الاكتشاف الأول من نوعه؛ فقد سبق العثور على عدة مواقع أثرية تحت شوارع ليما، وهو ما يعني أن العاصمة البيروفية تعد منطقة غنية للغاية ببقايا المستوطنات التي تعود إلى ما قبل حضارة الإنكا، ونظرًا لكثافة هذه الآثار، أصبحت المواقع الأثرية شائعة جدًا لدرجة أن معظم شركات البناء التي تنفذ أعمالًا تحت الأرض توظف علماء آثار ضمن فرقها.

2200 اكتشاف أثري حتى الآن

الجدير بالذكر إن شركة Cálidda، المسؤولة عن توزيع الغاز الطبيعي في ليما والتي اكتشفت هذه الرفات مؤخرًا، تؤكد إنها سجلت أكثر من 2200 اكتشاف أثري حتى الآن، وهو ما علق عليه خوسيه ألياغا: «تُعد ليما فريدة من نوعها بين عواصم أمريكا اللاتينية، حيث تظهر اكتشافات أثرية خلال معظم المشاريع المدنية تقريبًا»

أما بييتر فان دالين، عميد كلية علماء الآثار في بيرو والذي لم يشارك في هذا الاكتشاف فيوضح: «من الشائع جدًا العثور على بقايا أثرية على الساحل البيروفي، بما في ذلك ليما، خاصة العناصر الجنائزية مثل القبور والمدافن، ومن بينها أفراد محنطون»

وفي موقع كاخاماركيا، شرق ليما، اكتشف علماء الآثار عددًا من المومياوات من بينها عدة حالات يُعتقد أنها ضحايا لطقوس تضحية بشرية، فقد تم العثور هناك على ستة أطفال محنطين داخل قبر، يعتقد أنهم قدموا كقرابين ليرافقوا أحد النبلاء المتوفين إلى الحياة الآخرة قبل نحو 1,200 عام، كما عُثر على الهياكل العظمية الصغيرة، الملفوفة بإحكام داخل أقمشة، في قبر رجل مهم، يعتقد أنه كان شخصية سياسية ويقدر عمره عند الوفاة بين 35 و40 عامًا.

ويقول علماء الآثار إن الحضارات السابقة للإنكا لم تعتبر الموت نهاية، بل انتقالًا إلى مرحلة مختلفة من الوجود، إذ يُعتقد أن أرواح الموتى تتحول إلى حماة للأحياء، ولهذا يرجح أن الأطفال قد قُدموا كقرابين ليرافقوا هذا النبيل في رحلته إلى العالم الآخر، وقد دفن الرجل النبيل بوضعية الجنين، حيث كانت يداه تغطيان وجهه، وكان مقيدًا بالحبال، وفي نفس الموقع، عثر علماء الآثار على مومياء أخرى مربوطة بالكامل بطريقة مماثلة.

ويُشير الباحثون إلى أن هذه المومياء تعود إلى فترة بين 800 و1200 عام، وتنتمي إلى حضارة ما قبل الإنكا التي تطورت في المناطق الممتدة بين الساحل والجبال البيروفية، ويعتقد العلماء أن هذا الشكل غير المألوف من الدفن كان جزءًا من تقاليد جنائزية محلية فريدة.

لماذا كانت الثقافات القديمة في أمريكا الجنوبية تضحي بالأطفال؟


يبدو أن التضحية بالأطفال كانت ممارسة شائعة نسبيًا في الثقافات القديمة في بيرو، بما في ذلك حضارة سيكان وحضارة تشيمو التي تلتها، وحتى لدى إمبراطورية الإنكا نفسها، نقلًا عن «ديلي ميل» البريطانية.

ومن بين أبرز الأدلة على هذه الطقوس، عثر في عام 1985 على رفات محنطة لطفل على يد مجموعة من المتسلقين، على ارتفاع 5,300 متر (17,388 قدمًا) في جبل سيرو أكونكاغوا في مقاطعة مندوزا بالأرجنتين، ويُعتقد أن الطفل كان ضحية طقس إنكاي يُعرف باسم كاباكوتشا (Capacocha)، حيث كان يختار الأطفال من ذوي الجمال والصحة الفائقة، ويتم تخديرهم ثم اصطحابهم إلى الجبال حيث يموتون تجمدًا.

وفي عام 2016، اكتشف علماء الآثار أطلال معبد مخصص لطقوس التضحية بالأطفال في مجمع أثري ساحلي بمنطقة تشوتونا تشورننكاب شمال ليما، حيث تم العثور على 17 قبرًا تعود على الأقل إلى القرن الخامس عشر، من بينها قبور لستة أطفال وضعوا بجانب بعضهم البعض في قبور ضحلة.

وكانت طقوس كاباكوتشا تُمارس غالبًا عند وفاة أحد ملوك الإنكا، حيث كان يتوجب على حكام المناطق المحلية اختيار أطفال بلا عيوب لتقديمهم كقرابين.

وتترجم كلمة "Capacocha" عادة إلى تضحية رسمية أو واجب ملكي، ويُعتقد أن هذه الطقوس كانت تستخدم لإحياء مناسبات هامة في حياة إمبراطور الإنكا، أو لمرافقته إلى الآلهة بعد وفاته، أو لدرء الكوارث الطبيعية، أو لتحفيز نمو المحاصيل، أو كجزء من احتفالات دينية.