علي الفاتح يكتب: حل الدولتين يبقى فى «رقبة» حماس وفتح

كاتب صحفي

يحول دون حل الدولتين إضافة إلى سياسات الكيان الصهيونى المحتل والدعم الأمريكى المطلق لها، تعنت حركتى حماس وفتح ورفضهما إتمام المصالحة الوطنية، حتى فى ظل حرب الإبادة ومخطط التهجير الذى يستهدف غزة والضفة الغربية معاً.

الأسبوع الماضى عقد مؤتمر حل الدولتين لتسوية الصراع العربى الإسرائيلى، برئاسة فرنسية سعودية فى مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، وصدرت عنه ما باتت تعرف بوثيقة نيويورك لإقامة دولة فلسطين المستقلة.

الوثيقة حاولت الموازنة بين الرؤية العربية لطبيعة الصراع، ومنطق المجتمع الدولى لفهمه.

أهم ما فيها أنها طالبت الكيان الصهيونى بوقف فورى لحرب الإبادة، وسرعة إدخال المساعدات الإنسانية وتشكيل لجنة إدارية انتقالية لإدارة غزة تحت إشراف السلطة الفلسطينية، والبدء فى المشروع العربى لإعادة إعمار غزة، وهو المشروع الذى كانت قد أعدته مصر وحاز على إجماع عربى إسلامى دولى، وقدطالبت الوثيقة الأمم المتحدة بالعمل على إيجاد آليات لتمويل المشروع.

كذلك نصت الوثيقة على ضرورة المضى نحو إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، فى مدى زمنى أقصاه خمسة عشر شهراً، بعد سلسلة إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية، وفى المقابل طالبت الوثيقة بتسليم حركة حماس سلاحها للسلطة الفلسطينية، والتنازل عن حكم قطاع غزة، حيث تتطلب عملية إقامة الدولة وجود سلطة سياسية موحدة تحتكر السلاح.

حركة حماس أصدرت بياناً لم تلتفت فيه لكل ما ورد بالوثيقة بشأن إنهاء العدوان الصهيونى وإقامة دولة فلسطينية، مكتفية بالتركيز على مسألة تنازلها عن حكم غزة وتسليم السلاح للسلطة الفلسطينية، معلنة رفضها القاطع خاصة لبند تسليم سلاحها طالما استمر الاحتلال.

نظرياً موقف حماس وباقى فصائل المقاومة صحيح ولا يمكن الجدال فيه، لكن من قال إن المقاومة ستطالب بتسليم سلاحها فوراً وقبل إنهاء العدوان وانسحاب قوات الاحتلال الصهيونى من كامل قطاع غزة، ومضى حكومته ومن قبلها الإدارة الأمريكية فى مسار جاد للمفاوضات بهدف تنفيذ حل الدولتين.

كان بوسع الحركة وباقى فصائل المقاومة، الموقعة على البيان، إفراد مساحة للتعبير عن التفاؤل أو الترحيب الحذر بما ورد فى وثيقة نيويورك، بشأن إنهاء العدوان والبدء فى مشروع إعادة الإعمار وتشكيل لجنة إدارية لإدارة غزة، لا سيما أن حماس نفسها كانت قد وافقت على المقترح المصرى بتشكيل لجنة تكنوقراط غير فصائلية تدير قطاع غزة لمدة ستة أشهر، لحين ترتيب البيت الفلسطينى من الداخل وتسليم إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية، كونها الجهة الشرعية المعترف بها دولياً ولبسط سيادتها على كامل الأراضى الفلسطينية المراد إقامة دولة مستقلة عليها، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، ما يعنى أن حماس سبق ووافقت فعلياً على التنازل عن حكم غزة.

من المهم الاعتراف بأن تداعيات طوفان الأقصى فى السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ من حرب إبادة وتطهير عرقى ومجاعة ومخططات تهجير، هى ما كان وراء هذا الزخم الدولى الذى تبلور فى مؤتمر نيويورك، ودفع ثلاث دول غربية كبيرة من بين مجموعة السبع الكبار «فرنسا، إنجلترا، كندا» إلى إعلان عزمها الاعتراف بالدولة الفلسطينية أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر المقبل، وهو ما شجع دولاً أخرى من بينها البرتغال وأستراليا وفنلندا أن تحذو حذوها.

هذا الزخم رغم ما يبثه من تفاؤل إلا أنه يفرض المزيد من التحديات، فاعتراف كل هذه الدول سيبقى رمزياً إذا لم يتم الضغط بجدية على حكومة الكيان الصهيونى المتطرفة لتقبل بحل الدولتين، وتتخلى عن مخطط التهجير وتوسيع الاستيطان فى الضفة الغربية وقطاع غزة.

ما يلوح به الاتحاد الأوروبى من إجراءات عقابية حتى الآن يبدو شكلياً، لذا يتعين على المجموعة العربية تفعيل ما لديها من أوراق ضغط وأدوات دبلوماسية، لدفع الدول التى اعترفت فعلياً بدولة فلسطين أو التى تعتزم اتخاذ هذه الخطوة، للعمل على عزل الكيان الصهيونى وفرض عقوبات اقتصادية جادة، خاصة أن مجرم الحرب بنيامين نتنياهو تعهد بالبدء فى تنفيذ مخطط التهجير خلال أسابيع.

المجموعة العربية لديها أيضاً من الأوراق الاقتصادية والسياسية التى يمكن أن تستخدمها لتغيير موقف الإدارة الأمريكية، وسيساعدها على ذلك اعتراف المزيد من الدول بدولة فلسطين على تفعيل تلك الأوراق إن أرادت، خاصة إن وجدت الولايات المتحدة نفسها معزولة فى خانة واحدة مع كيان منبوذ دولياً.

يبقى التحدى الأكبر والأهم وهو المصالحة «الفلسطينية الفلسطينية» فسواء وجدت وثيقة نيويورك طريقها للتنفيذ، أو لم تجد وبقى اعتراف الدول الكبرى بدولة فلسطين رمزياً، يحتاج الداخل الفلسطينى لتوحيد جبهته.

فقد بات يتعين على حركتى فتح وحماس تقديم الكثير من التنازلات لتحقيق وحدة الصف كهدف استراتيجى، لأن استمرار هذا الشقاق، وعزل قطاع غزة عن الضفة الغربية أمر لم يعد مفهوماً، إذ لا بد أن تتاح الفرصة أمام السلطة الفلسطينية لبسط سيادتها على القطاع فى سياق وحدة أراضى الدولة الفلسطينية، إلا إذا كانت حماس ما زالت تصر على منهج شق الصف ومنع تنفيذ حل الدولتين!

وفى ظل إصرار الإرهابى بنيامين نتنياهو على تنفيذ مخطط التهجير فى غزة والضفة، على منظمة التحرير الفلسطينية بعد تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة مراجعة أجندة عملها الوطنية بدءاً من إصلاح السلطة، وصولاً إلى استراتيجية المقاومة المناسبة لمواجهة تلك المخططات، التى توازن بين العمل السياسى والمقاومة المسلحة، خاصة مع تصاعد جرائم المستوطنين وقوات الاحتلال فى مدن الضفة، والمتوقع أن تصل فى حدتها إلى مستويات حرب الإبادة الدائرة فى غزة.