ذهبوا إلى قتلة الفلسطينيين بدلاً من القدس!

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

لا تطيق حركة حماس ارتداء ثوب العقل طويلاً. حتى أثناء أحلك الظروف التى تمر بها القضية الفلسطينية والتى تفرض الحكمة فى كل تحرك أو كلمة تتضمنها تصريحات قادتهم.

هى تعود إلى الانغلاق داخل خلفية تمثل إحدى ركائز تكوينها، ليتها كانت تساير وعياً دينياً صادقاً بدلاً من واقع المتاجرة بالدين كواجهة لتحقيق أى مصالح.

ما إن تحقق حماس نصيباً طفيفاً فى أخذ دورها كمفاوض سياسى -سواء كان أم لم يكن لها دور فى مستقبل قطاع غزة- تعود إلى مستنقع المزايدات لتخسر أوراقاً بدلاً من الفوز حتى بورقة واحدة.

حماس بدلاً من أن تقحم جهودها السياسية فى أخطر ملف يهدد أى وجود لقضية فلسطينية، وتتصدى لوقف استمرار المخططات التى تسعى إلى تهجير من هم المفترض شعبها من أرضه. هذا الملف من البديهى أن يكون دستور حماس فى مسار التفاوض مع الأطراف الدولية والعربية.

أما نشر المزاعم الواهية من قبل قادتهم عن مصر ودورها فى مساعدة الشعب الفلسطينى بالتأكيد لن يعود على قضية فلسطين بأى مكاسب سياسية وأمنية.

لكن يبدو للأسف أن قضية إنقاذ شعب فلسطين وفرض حقوقه المشروعة أو إقامة ترتيبات دولة فلسطينية ليست من الأولويات فى أجندة حركة حماس. بدلاً من مراجعة المساعدات المصرية التى تدفقت موثقة بالصوت والصورة، كان الأجدى انخراط حماس كحركة سياسية فى ترتيبات الأمن القومى على الحدود، وهو أخطر الملفات التى يحاول الكيان الصهيونى العبث بها عبر مناورات لن تحمل للمنطقة العربية إلا المزيد من العنف والصراع.

حماس تعلن عن اقتصار وجودها وفق الخلفية السياسية فى المستقبل. لكنها فى ذات الوقت تتجه فى طريق معاكس. إذ بدلاً من بناء كيانها السياسى وفق أسس مصالح الشعب الفلسطينى ومشاركتها فى فرض حق وجوده على أرضه كفصيل سياسى يعمل فى إطار دور يخدم القضية والشعب الفلسطينى، وليس فقط من منظور أهداف حركة أو تنظيم يمارس مراهقة التشكيك فى مصر، الدولة التى يحفل التاريخ بأدلة التضحيات التى بذلتها منذ عام 1948 حين اختلطت دماء الجيش والمدنيين من مصر بدماء أشقائهم فى فلسطين. مصر غفرت بما لا يعد ويحصى متجاوزة كل الممارسات التى كادت تشكل خطراً على الأمن القومى، حيث نجح الجيش فى اجتثاث جذور هذه المخططات على أرض سيناء.

سبقها عام 2013 مظاهرات ساذجة فى شوارع غزة تحمل كل مظاهر الاستفزاز والتحدى ضد إرادة الشعب المصرى واختياره إقصاء جماعة الإخوان المنحلة.. والأمثلة لا حصر لها.

الأكثر إثارة للدهشة أن تصريحات قادة حماس خرجت مواكبة للحملات البلهاء التى تنعق بها «الدكاكين الفضائية» وكتائب التنظيم الدولى للإخوان، موجهة سمومها تحديداً نحو الدور المصرى الشريف والعادل. الأمر الذى يفتح أبواب جحيم الظنون -وليس كل الظن إثماً- أن ممارسات حماس جاءت بناء على تعليمات أو توجيهات من تنظيم ما زال يعيش رغم خسائره المتتالية وهم المساس باستقرار وأمن مصر.

بل إن المراهقة السياسية بلغت بتنظيم الإخوان إلى الكشف عن عمالته بدون مواراة خلال المشهد العبثى، الذى ضم قادة تنظيم إخوان إسرائيل، كمال خطيب ورائد صلاح وحاملى جنسيتها، وهم يحملون أعلام الكيان الصهيونى على بعد أمتار من السفارة المصرية فى تل أبيب، فى محاولة بائسة للتشكيك فى دور مصر.

هنا انقلب السحر على الساحر حين كشف التنظيم الإرهابى بكل تبجح عن وجه الخيانة والعمالة.. لتتحول المتاجرة بالقضية الفلسطينية من ادعاء ذهابهم إلى القدس بالملايين إلى مشهد دعم لقتلة الشعب الفلسطينى!

الغريب أن حماس تنزلق إلى خسارة أقوى حليف لها -مصر- فى توقيت إجماع أكثر ما يزيد على 15 دولة أوروبية الاعتراف بفلسطين. إعلان يمثل نقطة تحول فى الموقف الدولى.

هذا الضغط السياسى الدولى بالتأكيد بدأ يدفع الكيان الصهيونى نحو حالة عزلة كلما ازدادت قوة المؤشرات على التحول فى موقف المجتمع الدولى. حماس فشلت حتى فى استثمار هذا المؤشر لصالح تصدير صورة مختلفة، أبرز معالمها استعداد الحركة فى حال وقف إطلاق النار للوجود مستقبلاً كحزب سياسى بعيداً عن أى خلفية جهادية.

أخيراً يبقى السؤال هل ضمن قادة حماس من يدرك أن إطار الوطن وفرض حل الدولتين هو الضامن الوحيد لتحول حماس من مجرد حركة منفصلة عن النبض الفلسطينى إلى جزء من المشهد السياسى والوطنى العام.