صُناع المحتوى.. الفجوة بين الجهد والعائد

راجى عامر

راجى عامر

كاتب صحفي

من الألقاب سيئة السمعة كلمة «صانع محتوى» بعدما ارتبطت لسنوات بأشخاص يحطون من كرامتهم، ويكشفون أسرار حياتهم الخاصة من أجل مشاهدات تُترجم إلى أموال.

العائد المادى الضخم الذى يحققه هؤلاء، وتفاخرهم بحجم ثرواتهم، وحياة الرفاهية التى يعيشونها من المؤكد أنها مُحبطة لكثير من المتخصصين فى المهن الجادة حينما يشعرون بأنه لا تقدير حقيقى لسنوات دراستهم أو جهدهم، فلا أهمية لكونك من أوائل الثانوية العامة فى مقابل أن يصبح محتواك فى قائمة أوائل الترندات التى شغلت اهتمام جمهور السوشيال ميديا.

وكأن التحصيل العلمى لسنوات لتصبح طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو إعلامياً أو مدرساً وغيرها، ومعه كل المتاعب المهنية، لم يعد كافياً للنجاة المادية أو الحصول على التقدير الاجتماعى، لدرجة أن البعض من أصحاب المهن الحقيقية يفكرون بصورة جادة فى التخلى عن مهنتهم والتحول إلى مجال صناعة المحتوى عبر المواقع الاجتماعية، وهنا أصبح الاقتصاد بمثابة قوة ضاغطة تُعيد تشكيل الهويات، وتضغط على الأفراد للتخلى عن القيم بعدما لم يعد مستغرباً أن تجد صانع محتوى عبر «تيك توك» يحقق عشرات الملايين خلال عام واحد تمثل إجمالى ما قد يحققه طاقم تدريس فى إحدى الكليات طوال حياتهم المهنية.

المفارقة بين أسلوب حياة البذخ لهؤلاء مع معاناة بعض أصحاب المهن الجادة من أجل توفير دخل يكاد يسد الاحتياجات الأساسية تؤكد وجود فجوة كبيرة بين الجهد والعائد تصنع شعوراً مريراً داخل المجتمع.
«صُناع المحتوى» لم يتسببوا فقط فى إحباط أصحاب المهن الحقيقية، إنما أعادوا تشكيل القيم، من قيمة العلم والانضباط إلى قيمة الحضور الرقمى والإثارة والترند.. ولم يعد هناك «سلم للارتقاء الاجتماعى» عبر التعليم، إنما «أسانسير» المواقع الاجتماعية.

فى المقابل فإن بعض صُناع المحتوى يسيرون عكس التيار فى محاولة لتقديم محتوى هادف أو علمى، لكن الأغلبية لا يهمها سوى العائد المادى السريع بأقل جهد.

نحتاج بشدة إلى وجود رقابة تنظيمية صارمة على المحتوى الرقمى المقدم عبر المواقع الاجتماعية لحماية المجتمع من خطاب الكراهية، والعنف، والإباحية، والتضليل، وهذا الإطار التنظيمى لا يمثل قمعاً تعسفياً لحرية الرأى، إنما حماية ضرورية للمجتمع من خلال المحاسبة على الانتهاكات الحقيقية مع دعم أصحاب المحتوى الجاد بجانب تشجيع صُناع المحتوى أنفسهم على «التنظيم الذاتى» ووضع ميثاق شرف لما يمكن تقديمه عبر المواقع الاجتماعية.