بعد إعلان الجيش تنفيذ عملية برية بالقطاع.. ماذا تعني السيطرة الإسرائيلية على مدينة غزة؟
بعد إعلان الجيش تنفيذ عملية برية بالقطاع.. ماذا تعني السيطرة الإسرائيلية على مدينة غزة؟
يستعد جيش الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ عملية برية في مدينة غزة، بعد موافقة مجلس الوزراء الأمني المصغر «الكابينت» على مقترح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالسيطرة على القطاع بشكل كامل، وفق ما نقل موقع «أكسيوس» الأمريكي عن مسؤول إسرائيلي كبير.
وقال المسؤول الإسرائيلي إن «الكابينت» وافق على اقتراح نتنياهو باحتلال مدينة غزة، مشيرًا إلى أن العملية العسكرية التي يستعد لها الجيش الإسرائيلي حاليًا، تقتصر على مدينة غزة فقط. وأضاف أن الهدف هو إخلاء جميع سكان مدينة غزة باتجاه مخيمات الوسط ومناطق أخرى حتى موعد 7 أكتوبر، مشيرًا إلى أنه سيتم فرض حصار على عناصر حماس الذين سيبقون داخل مدينة غزة.
ويأتي القرار باحتلال مدينة غزة، الذي جاء بعد أكثر من عشر ساعات من المشاورات في مجلس الوزراء الأمني، كمرحلة أولى في هجوم قد يشمل احتلال قطاع غزة بأكمله من قبل الجيش الإسرائيلي.
تحليل للخطة الإسرائيلية وتحدياتها
من جهته، قال الدكتور عزت إبراهيم، رئيس تحرير «الأهرام ويكلي»، إن الخطة التي وافق عليها مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي لفرض سيطرة عسكرية كاملة على قطاع غزة تمثل انتقالًا خطيرًا في مسار الحرب، إذ تذهب أبعد من العمليات السابقة التي كانت محدودة في أهدافها ومناطقها، هذه الخطة تتحدى بشكل مباشر توصيات رئيس الأركان وقيادة الجيش، مما يعكس انقسامًا داخليًا في مؤسسات الأمن الإسرائيلية حول مدى واقعية واستدامة هذا النهج.
وأضاف «إبراهيم» في تحليل كتبه على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن السيطرة الحالية للجيش الإسرائيلي على نحو 75% من القطاع لا تعني إحكام السيطرة الكاملة، إذ تبقى مناطق مركزية مثل مدينة غزة وأجزاء واسعة من الوسط تحت سيطرة حماس أو خارجة عن نطاق العمليات العسكرية المباشرة. هذه المناطق تضم الكثافة السكانية الأكبر ومواقع يُعتقد أنها تحتوي على أنفاق وقيادات ميدانية، مما يزيد من تكلفة التوغل فيها.
دلالات استخدام مصطلح السيطرة بدلًا من الاحتلال
وتابع: «اختيار كلمة (السيطرة) takeover أو (الاستحواذ) بدلاً من كلمة (الاحتلال) occupation ليس صدفة، بل يعكس اعتبارات سياسية وإعلامية دقيقة. كلمة احتلال محمّلة بالمعاني القانونية في القانون الدولي، إذ تعني تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة وتحميل القوة المحتلة مسؤوليات كاملة تجاه السكان المدنيين، كما تعني الاعتراف بأن الأرض تحت سيطرة عسكرية أجنبية بلا سيادة».
وأضاف: «الحكومة الإسرائيلية تتجنب تاريخيًا وصف سيطرتها على الأراضي الفلسطينية بأنها "احتلال"، وخصوصًا في حالة غزة بعد الانسحاب عام 2005، لأن هذا الاعتراف سيقوّي المطالب القانونية الدولية ضدها»، بحسب رئيس تحرير الأهرام ويكلي.
انعكاسات الخطة على الوضع الإنساني والسياسي
وتابع: «تطور الخطة الإسرائيلية للسيطرة الكاملة على غزة يعكس تغيرًا في أولويات حكومة نتنياهو من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية الإخضاع، وهو تحول يحذر منه محللون في The Washington Post باعتباره يفتح الباب أمام تورط طويل الأمد قد يفقد إسرائيل القدرة على المناورة السياسية».
وأشار إلى أن أحد الجوانب المثيرة للجدل هو اعتماد الخطة على إخلاء قسري لعشرات الآلاف من الفلسطينيين من مناطق القتال الجديدة، ما يعني عمليًا إعادة إنتاج موجات نزوح جماعي في ظروف إنسانية أسوأ، وهو ما تحذر منه The Guardian باعتباره قد يفاقم الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.
وأوضح أن الشق الإداري من الخطة يهدف إلى إنشاء إدارة مدنية بديلة لا تضم حماس ولا السلطة الفلسطينية، وهو تصور يثير جدلاً حتى داخل إسرائيل، إذ يعتبره بعض المحللين في Yedioth Ahronoth و Times of Israel وصفة لفراغ سلطوي قد ينتهي بعودة الفوضى أو بروز قوى مسلحة جديدة.
تحديات عسكرية واستنزاف للقوات
أما البعد الأمني للخطة، فيضع الجيش الإسرائيلي في موقع شبيه بإدارته الأمنية للضفة الغربية، لكن على نطاق أكبر وأكثر تعقيدًا، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن فرض هذا النموذج في غزة قد يتطلب ما بين ثلاث إلى خمس سنوات من العمليات العسكرية المستمرة والحضور الميداني المكثف. ومن اللافت أن الخطة تتجاهل تحذيرات رئيس الأركان إيال زمير بشأن الإرهاق القتالي لقوات الاحتياط، وهي تحذيرات موثقة في تقارير Reuters و Associated Press، وتربط بين استمرار الضغط الميداني وتراجع الكفاءة القتالية على المدى المتوسط.
الضغوط الدولية والمسار السياسي
وأوضح أن أحد عناصر الخطة يتعلق باستمرار تقديم مساعدات إنسانية «خارج مناطق القتال»، وهي صياغة فضفاضة تسمح باستمرار الحصار على مناطق واسعة، وتضع وكالات الإغاثة أمام تحديات لوجستية وأمنية هائلة، كما أوضحت تقارير UN OCHA.
ومن منظور سياسي، الخطة تمنح نتنياهو ورقة ضغط في المفاوضات، إذ يمكن استخدامها للتهديد بالتصعيد في حال فشل جهود تبادل الأسرى أو التوصل إلى هدنة، وهو تكتيك يراه بعض المحللين في Brookings و CFR بمثابة تصعيد مشروط يهدف لانتزاع تنازلات دون تحمل كامل كلفة الاحتلال، وإعلان النصر الحاسم كهدف نهائي يتجاوز الأهداف التقليدية للحروب المحدودة ويضع إسرائيل أمام معضلة اليوم التالي، إذ لا يوجد تصور واضح لإدارة القطاع بعد إزاحة حماس، ولا جهة محلية أو إقليمية أبدت استعدادًا لتحمل المسؤولية في ظل الظروف الحالية، وفقًا لعزت إبراهيم.
وأكد أن التلميح إلى «قوات عربية» لتولي الإدارة يفتقر إلى أي التزام معلن من الدول العربية، التي أبدت تحفظًا واضحًا في تصريحاتها الأخيرة، خشية التورط في وضع أمني وإنساني متدهور دون أفق سياسي.
الخطة تتضمن تقديم المساعدات الإنسانية في مناطق خارج القتال
وشدد على أن الخطة تتضمن تقديم المساعدات الإنسانية في مناطق خارج القتال، لكن الواقع الميداني يجعل معظم السكان محاصرين في مناطق مشمولة بالعمليات أو مناطق عازلة، مما يقلل من إمكانية الوصول إلى المساعدات ويزيد من تفاقم أزمة الغذاء. ومنظمات مثل World Food Programme و Oxfam حذرت من أن العمليات الجديدة قد تدفع نحو كارثة مجاعة، حيث تشير البيانات إلى أن آلاف الأطفال دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، مع استمرار استهداف أو تعطيل نقاط توزيع المساعدات.
وأكد أن إخراج حماس من غزة بالقوة دون خطة بديلة للحكم قد يفتح المجال أمام فوضى سياسية وأمنية، وربما صعود جماعات أكثر تطرفًا، وهو سيناريو تحذر منه Financial Times استنادًا إلى تجارب العراق وأفغانستان، والبعد الاقتصادي للحرب يغيب عن الخطاب الإسرائيلي الرسمي لكنه حاضر في التقييمات الاستراتيجية، إذ تشير تقديرات إلى أن كلفة الاحتلال الكامل ستفوق ملياري دولار سنويًا، إضافة إلى الخسائر غير المباشرة من العقوبات أو المقاطعات المحتملة
انقسام داخلي وتداعيات إقليمية
ورأى أن الخلاف بين المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل ليس جديدًا، لكنه هذه المرة أكثر حدة، إذ يرى قادة الجيش أن العمليات المستمرة دون خطة سياسية موازية ستؤدي إلى إنهاك القوات وتآكل الجاهزية، خاصة في ظل الحاجة إلى إبقاء احتياط كبير لمواجهة جبهات أخرى محتملة. كما أن المخاوف على حياة الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس تمثل عامل ضغط داخلي قوي، إذ تخشى عائلاتهم أن تؤدي أي عملية عسكرية واسعة إلى مقتلهم سواء بنيران إسرائيلية أو بإعدامهم من قبل حماس، كما حدث في وقائع سابقة.
واختتم «عزت إبراهيم» تحليله: «الانتقادات الدولية المتزايدة، خاصة في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، قد تتحول إلى خطوات عملية مثل فرض عقوبات على مسؤولين أو مقاطعة بعض الشركات المتعاملة مع الجيش الإسرائيلي، وإطالة أمد الحرب من خلال خطة السيطرة الكاملة ستؤدي إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، مع احتمال زيادة التنسيق بين حركات المقاومة في غزة والضفة ولبنان وربما جبهات أخرى، ما يضع إسرائيل أمام تحدٍ أمني مستدام، وغياب أي مسار سياسي موازٍ يعزز الانطباع أن إسرائيل تراهن على الحل العسكري وحده، وهو رهان أثبت التاريخ أنه نادرًا ما يحقق استقرارًا طويل الأمد».