د. منجي علي بدر يكتب: غزة بين الإدانة والتحرك.. رؤية مصرية من حماية الحقوق إلى إعادة الإعمار
فى خضم واحدة من أكثر المراحل توتراً فى الصراع الفلسطينى - الإسرائيلى، وفى ظل تشديد السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، على رفض مصر القاطع لتهجير الفلسطينيين من أرضهم وتحقيق السلام بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وسرعة إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، تبرز خطط إعادة احتلال غزة كمنعطف خطير يهدد ليس فقط مستقبل القطاع، بل استقرار الإقليم بأسره.
وتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، بشأن «السيطرة على قطاع غزة دون الاحتفاظ به وتسليمه لقوات عربية لا تهدد إسرائيل» تمثل «انقلاباً صريحاً على مسار المفاوضات الجارية أم تمثل خدعة أو خطوة تكتيكية؟».
وبينما تتصاعد التحذيرات العربية والدولية من تداعيات هذه الخطط، تتحرك مصر بحكم موقعها ودورها التاريخى فى محاولة لتقريب الهوة بين المواقف السياسية والإجراءات العملية على الأرض، وهذا التحرك لا يستهدف فقط وقف دوامة العنف بل أيضاً حماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى ضمن إطار القانون الدولى والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، ونعرض للتحرك المصرى فى نقاط محددة:
أولاً: من الإدانة إلى الفعل السياسى
لم تكتفِ مصر بالتعبير عن رفضها لخطط إعادة الاحتلال، بل تحركت على عدة مسارات دبلوماسية شملت تنشيط العمل داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة لتمرير قرارات ملزمة وتفعيل أدوات القانون الدولى عبر محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، كما عملت القاهرة على بناء تحالفات إقليمية ودولية وإجراء مشاورات مع أطراف مؤثرة مثل الولايات المتحدة والدول العربية والأمم المتحدة بهدف الضغط على إسرائيل لوقف هذه السياسات العدوانية.
ثانياً: التداعيات الإنسانية والسياسية والقانونية
إن تنفيذ خطط إسرائيل يعنى كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث يواجه أكثر من مليونى فلسطينى انعدام الأمن الغذائى وانهيار الخدمات الصحية والبنية التحتية، فضلاً عن تزايد أعداد النازحين.
وعلى المستوى القانونى، يشكل الأمر انتهاكاً لاتفاقيات جنيف، خاصة ما يتعلق بحظر التهجير القسرى والعقاب الجماعى، وسياسياً قد يؤدى ذلك إلى تفجير الأوضاع فى مناطق أخرى مثل جنوب لبنان والضفة الغربية، ما يزيد من احتمالات توسع الصراع فى المنطقة.
ثالثاً: الطريق نحو وقف إطلاق النار
التحرك نحو تهدئة مستدامة يتطلب وقفاً فورياً للعمليات العسكرية، يتبعه إطلاق مفاوضات مرحلية تركز على تبادل الأسرى ورفع الحصار مقابل ضمانات أمنية، وتلعب الضغوط الدولية، خاصة من الاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة، دوراً محورياً فى ربط التعاون مع إسرائيل بمدى التزامها بالقانون الدولى، وفى حال استثمار الهدنة بشكل صحيح، يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة إطلاق عملية السلام وفق المرجعيات الدولية.
رابعاً: آليات تثبيت التهدئة
تقترح مصر إبرام اتفاق مكتوب برعاية الأمم المتحدة يتضمن آليات مراقبة ميدانية من خلال لجنة مشتركة تضم ممثلين دوليين وإقليميين مع ربط أى تمويل لإعادة الإعمار بالالتزام الصارم بوقف إطلاق النار ويستند هذا الدور إلى خبرة مصر فى الوساطة التى أثمرت عدة اتفاقات تهدئة ناجحة خلال العقدين الماضيين.
خامساً: إعادة الإعمار كجزء من الحل
ترى القاهرة أن إعادة إعمار غزة ليست فقط ضرورة إنسانية، بل هى ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار، ومن المقرر أن تستضيف مصر مؤتمراً دولياً لإعادة الإعمار فور التوصل إلى وقف إطلاق النار، على أن يتم إنشاء صندوق تمويل بمساهمات عربية ودولية، مع إطلاق مشروعات عاجلة للبنية التحتية والخدمات الأساسية وربط العملية بمسار سياسى يمنع العودة إلى الحرب.
سادساً: آفاق الحل طويل المدى
يبقى وقف إطلاق النار خطوة أولى نحو حل دائم يقوم على معالجة جذور الصراع بما فى ذلك رفع الحصار، وقف الاستيطان، وضمان حق العودة. ويتطلب ذلك إطلاق عملية سياسية شاملة على أساس حل الدولتين بضمانات أمنية يشرف عليها المجتمع الدولى وبمشاركة فعالة من القوى الإقليمية الكبرى مثل مصر والأردن والسعودية لدعم الاستقرار السياسى والاقتصادى للفلسطينيين.
ويشير المتابعون للشأن الفلسطينى إلى أن معركة غزة اليوم لم تعد مجرد مواجهة عسكرية على أرض محاصرة، بل هى اختبار حقيقى لمدى قدرة المجتمع الدولى على حماية القانون الدولى وحقوق الإنسان من الانتقائية والتسييس (المعايير المزدوجة).
ان الدور المصرى، بما يحمله من ثقل سياسى وخبرة تفاوضية، يقف عند مفترق طرق بين منع فرض أمر واقع جديد وصياغة مسار مستدام نحو سلام عادل. وفى ظل واقع إقليمى ودولى مضطرب قد يكون النجاح فى هذا الملف نقطة تحول ليس فقط لغزة بل لملف الصراع العربى - الإسرائيلى برمته، وفرصة نادرة لإثبات أن الحلول السياسية لا تزال ممكنة إذا توافرت الإرادة والضغط الدولى الفاعل رسمياً وشعبياً.
==========
الوزير المفوض
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع