«البلوجرز».. سرطان أخلاقى ينهش جسد المجتمع الرقمى

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

ماذا يمكن أن يفعل أعظم أطباء العالم إذا استفحل المرض السرطانى وسيطر على كامل الجسد؟ هكذا هو الحال دائماً، نأتى متأخرين بخطوة، بل بخطوات، بعد أن استولى «البـلوجرز» -هؤلاء القادمون من عالم افتراضى- على عقول الشباب وضمائر المجتمع، ناشرين الفوضى، وقاضين على الأخلاق، ومبذرين بذور الفتنة، وصولاً إلى ممارسة التحرّش والقتل والتدمير وكل ما يخطر أو لا يخطر على البال من أبشع السلوكيات. والانحرافات والفواحش.

لقد انقلب السحر على الساحر، وكما قلنا مراراً: الهواتف المحمولة أخطر من القنبلة الذرية، وقد أثبتت الأحداث الأخيرة صحة ذلك، بعد أن شاهدنا الجرائم التى ارتكبها هؤلاء على أرض الواقع.

وفى الفترة الماضية، قامت السلطات المصرية بجهود غير عادية، حيث ضبطت أكبر الشبكات التى مارست الرذيلة والبذاءة وارتكبت الجرائم الإلكترونية. لم تتأخر الأجهزة الأمنية فى مواجهة هذه الظاهرة، بل أنشأت وحدات متخصّصة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، لرصد ومتابعة الأنشطة المشبوهة على الإنترنت، مستخدمة أحدث تقنيات التتبع الرقمى وتحليل البيانات واختراق الشبكات الإجرامية.

ونجحت هذه الجهود فى القبض على عدد من «البـلوجرز» المشهورين المتورطين فى الابتزاز، والاحتيال، ونشر المحتوى المهدّد للأمن القومى. ومن أبرز القضايا، القبض على أشخاص من هؤلاء المشاهير جمعوا أموالاً طائلة من المتابعين مقابل مشروعات وهمية، أو استغلوا الصور والفيديوهات الخاصة لابتزاز الضحايا، بل إن بعضهم كان يدير شبكات دولية، ويُخفى هويته عبر خوادم خارجية، قبل أن يسقط بالتعاون الأمنى الدولى.

ومع ذلك، فإن قدرات الشرطة مهما تضاعفت لن تكفى للقضاء على أعداد هؤلاء، التى قد تصل إلى مئات الآلاف، وربما تصل إلى الملايين، فالشاب الذى لا يجد بضعة جنيهات كمصروف يومى، أو لا يستطيع أهله دفع تكاليف دروسه الخصوصية، قد ينجذب بسهولة إلى الأرباح الخيالية التى تتيحها هذه المنصات، غير مكترث بالقيم أو الأخلاق، ما دام يمكنه كسب مئات أو آلاف الجنيهات والدولارات من هاتفه المحمول.

وإذا كان «البـلوجرز» هم الأكثر تأثيراً على عقول الشباب، فإن بعضهم فى الحقيقة لا يعدو أن يكون سوى «شياطين إنس» تهمس فى العقول وتفسد القلوب. ومع انتشار الألفاظ غير اللائقة، والإيحاءات الجنسية، والمحتوى المنافى لقيم المجتمع، يصبح الخطر مضاعفاً على المراهقين الذين يُقلّدون طريقة كلامهم ولبسهم وسلوكهم بلا وعى.

رغم الصورة القاتمة، يبقى الأمل قائماً فى دور الآباء والأمهات لإنقاذ أبنائهم من براثن هؤلاء المفسدين، عبر خطوات عملية، ومنها التحقّق من مصداقية المحتوى الذى يتابعه الأبناء قبل التفاعل أو مشاركة البيانات والتأكيد على عدم إرسال المعلومات الشخصية أو المالية لأى جهة غير موثوقة، مع الإبلاغ عن الحسابات المشبوهة فوراً.

وكذلك التثقيف الرقمى للأطفال والشباب حول مخاطر التعامل مع الغرباء على الإنترنت، مع استخدام برامج الحماية وتحديثها بانتظام. فى النهاية قد يرى البعض أن ذلك تدخّل فى حرية الشباب، لكن الرد بسيط، حيث إن أكثر الدول الديمقراطية فى العالم تتدخّل فوراً فى أى حالة تُشكل خطراً على المجتمع، وتفرض إجراءات طارئة.. فهل هناك كارثة أكبر من هذه تدعونا لإعلان حالة الطوارئ الأخلاقية؟