أوهام إسرائيل الكبرى

محمد صلاح

محمد صلاح

كاتب صحفي

أكثر ما تعجبت له من ردود الفعل على تصريحات بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل عن دوره التاريخى والروحى تجاه ما يسمى بـ«إسرائيل الكبرى»، وهو ما يعنى الاعتداء على أراضى 6 دول عربية، هو حالة الصدمة والمفاجأة التى أصابت عدداً غير قليل من المتابعين المصريين والعرب.

هذه الصدمة نتاج طبيعى لنشر ثقافة السلام الزائف عقب توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، حيث أخطأ البعض طوال خمسين عاماً فى الربط ما بين حالة السلام التى نريدها ونحافظ عليها، وبين عملية غسيل السمعة لكيان قذر لا يؤمن بالسلام ولا يفهم منه سوى منطق القوة فقط، فالسلام بين البلدين ما كان ليتحقق دون نصر عسكرى حاسم مثل نصر أكتوبر المجيد، وما كان ليستمر دون تطوير مستمر وشامل للقدرات الشاملة للدولة المصرية.

ولعل أبرز دليل على ذلك ما حدث من اجتياح إسرائيلى عسكرى شامل للجنوب السورى عقب سقوط الجيش السورى نهاية العام الماضى، حيث تحررت إسرائيل فوراً من كل الاتفاقيات والمعاهدات من طرف واحد ودون تنسيق مع أحد، وبدأت فى التوسع الجغرافى وامتلاك أراضى الغير دون حق قانوني!

ولعل أبرز ما فى تصريحات نتنياهو هو تزامنها مع القمة التاريخية بين الرئيسين الروسى والأمريكى، والتى يخطئ البعض عندما يظنها قمة حول أوكرانيا وحدها، هذه التصريحات ما هى إلا رسائل واضحة وصريحة من نتنياهو للقمة، وعلى الرئيسين أن يتفقا معاً حول كيفية تنفيذها دون الإضرار بمصالح كل منهما فى المنطقة.

كما تأتى هذه التصريحات كرد على طوفان الاعتراف الأوروبى والدولى بالدولة الفلسطينية، وللتأكيد على جدية إسرائيل فى تنفيذ مخططى التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، واللذين يعتبران حجر الأساس نحو القيام بتحولات إقليمية بالغة الخطورة، أبرزها تأسيس نظام إقليمى جديد يضر بمصالح شعوب ودول الشرق الأوسط، فضلاً عن التمهيد لتنفيذ هذه الرؤية عسكرياً باحتلال كامل قطاع غزة، حتى لو كان الثمن حرباً كونية تتبناها السرديات الصهيونية منذ وصول التيار لقيادة العالم فكرياً فى بدايات القرن الثامن عشر، ثم فعلياً عقب انتصاره فى الحرب العالمية الثانية!

وما نقوله الآن ليس من باب التوقع أو قراءة الطالع، بل نرصد محطات معلنة وجرى نشرها فى جميع وكالات الأنباء، محطات مثل خطاب نتنياهو فى الأمم المتحدة، شارة خارطة ما يسمى بـ إسرائيل الكبرى المطبوعة على الزى العسكرى للقوات المحاربة فى غزة، فضلاً عن رموز العلم الإسرائيلى ذاته مع العبارات المدونة فى مدخل الكنيست، والأعجب أن أحداً من القوى الدولية أو الغربية لم يُدِن هذه التصريحات، لأسباب تتعلق بفقدانهم حتى القدرة على النقد!

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه التصريحات العلنية لا تعكس قوة أو تماسكاً، فهذا التيار رأسماله الأساسى هو الأقنعة والسرديات الزائفة التى يتبناها لقلب الحقائق والتلاعب بها لكسب التعاطف والتأييد الدولى، عندما نجدهم يتحررون منهما فى وقت واحد، هذا يعنى أنهم قد سقطوا فى أزمة كبرى، وأن الهدف الحقيقى من التصريحات هو التحرر من الضغوط الدولية الشديدة التى لم تعد تقبل أى سبب لاستمرار ما يحدث فى القطاع من جرائم.

المنطقة تعيش أجواء سايكس بيكو وحرب 1967 فى آن واحد، وكل ما فيها يتغير، مراكز القوى والخرائط والحدود والجغرافيا، وحتى الحقائق التاريخية والديموغرافية تتغير بفعل فاعل، طوفان الأوهام التلمودية يهدد الجميع، وصدق الرئيس الشهيد أنور السادات عندما توقع صمود السلام بين مصر وإسرائيل 50 عاماً أو أكثر، من يمتلك مثل هذه الأوهام لم يسمع عن السلام من قبل!