محمود مرزوق يكتب: بائع البطيخ والأكاديمية الفرنسية
فى صفحات التاريخ هناك أسماء تصعد من أعماق المجهول لتصبح جزءا من الحكاية الكبرى للأمم. إبراهيم بك النبراوى واحد من هؤلاء؛ لم ينشأ فى قصور الباشوات، ولا فى بيوت الأرمن والشراكسة الذين ملأوا دواوين الحكومة فى القرن التاسع عشر، بل جاء من قلب الريف المصرى، من بلدة صغيرة تُدعى نبروه، كانت آنذاك تتبع مديرية الغربية، ولا يُعرف عنها سوى أنها مشهورة بزراعة البطيخ. ومن البطيخ بدأت الحكاية.
وُلد «النبراوى» يتيما، ونشأ فى كنف عمّه الذى أرسله إلى الكُتّاب ليحفظ القرآن ويتعلم القراءة والحساب. وكان ذلك - فى زمنه - سقف الطموح لأبناء الفلاحين. ثم رأى العم أن زمن الدرس قد انتهى، وآن أوان السعى لكسب الرزق، فاشترى لابن أخيه حمولة بطيخ وعربة كارو، وأرسله إلى القاهرة ليتعلم التجارة والبيع والشراء. لكن القاهرة استقبلت «النبراوى» بمفاجأة غير سارة؛ إذ فشل الفتى فى بيع البطيخ، وخشى أن يعود إلى قريته صفر اليدين، فباع العربة والحصان، وانطلق فى تيهٍ لم يكن يعرف إلى أين يقوده.
وإذا بالصدفة - التى هى أحيانا ستار القدر - تضعه على عتبة الأزهر. هناك، وسط حلقات العلم وشيوخ العمود والمجاورين، وجد «إبراهيم» ملاذا من الجوع والتشرد، وأظهر نبوغاً مبكراً وشغفاً بتلقى العلم. ولم يكن يدرى أن جلوسه بين عمائم شيوخ الأزهر سيقوده، بعد سنوات قليلة، إلى قاعات الأكاديمية الوطنية فى باريس.
فى عام 1832، قررت إدارة البعثات تشكيل جماعة من المبعوثين إلى أوروبا لدراسة العلوم الحديثة، وكان إبراهيم النبراوى من بين المختارين ضمن أول بعثة طبية إلى فرنسا. أغلب رفاقه كانوا من أبناء النخبة، أما هو فابن نبروه الذى لا يحمل سوى القرآن وبعض علوم اللغة والشريعة. ومع ذلك تفوّق، وأبهر أساتذته الفرنسيين، وتخرج من باريس عام 1838 حاملاً شهادة الدكتوراه، وأحلاما تتجاوز ما يمكن أن يتخيله عمّه الذى أرسله يوماً بائعاً للبطيخ.
عاد إلى مصر ليبدأ فصلا آخر: أستاذا فى مدرسة الطب بقصر العينى، ثم رئيسا للجراحين، ثم طبيبا خاصا لمحمد على باشا. لم يكن مجرد طبيب، بل كان شريكاً فى صناعة نهضة؛ إذ عكف على الترجمة، وأسهم فى تعريب العلوم، وشارك فى إصدار مجلة اليعسوب - أول مجلة طبية علمية عربية - وساهم فى موسوعة «عمدة المحتاج»، أول دائرة معارف طبية فى تاريخ العرب الحديث.
وهكذا تحوّل ابن نبروه، الذى كاد أن يعيش حياته فى الظل، إلى ركن من أركان النهضة الطبية المصرية. ولعل فى سيرته ما يذكّرنا بأن التاريخ ليس حكراً على الحكام والنخب والطبقات الثرية، بل يُصنع أيضاً فى الكتاتيب البسيطة، وعلى ظهر عربات البطيخ، وفى عقول الفلاحين الذين منحوا أبناءهم فرصة أن يحلموا.
إبراهيم النبراوى لم يكن بطلا أسطوريا، بل كان إنسانا من لحم ودم، شق طريقه بالعلم والمثابرة، فصار شاهدا على قدرة مصر أن تُخرج من قلب الريف رجالا يغيرون وجه الزمن. إنه درسٌ ما زال قائما: أن الأوطان تُبنى حين نفتح الطريق أمام أبنائها، بلا تمييز، ليصعدوا إلى القمة بالجد والاجتهاد.