المعابد البوذية ورسالة السلام

هدى رشوان

هدى رشوان

كاتب صحفي

زيارة رئيس الوزراء الحالية لليابان أعادت إلى ذاكرتي رحلتي الخاصة إلى «كوكب اليابان»، تلك البلاد التي طالما وصفت بأنّها عالم مختلف، يجمع بين الحداثة المتطورة والتراث العريق، فقد حالفني الحظ أن أزور عدة مدن يابانية رائعة، لكل منها بصمتها الخاصة التي لا تنسى.

في طوكيو، العاصمة النابضة بالحياة، يأسرك مشهد ناطحات السحاب المتلألئة ليلا، وأسواقها المزدحمة التي تمزج بين أحدث صيحات التكنولوجيا وأقدم العادات الشعبية، حتى تشعر أنك تعيش في المستقبل وتتنفس الماضي في آن واحد.

أما هيروشيما، فهي مدينة تحمل جراحا محفورة في الذاكرة الإنسانية، لكنك تفاجأ بقدرتها على النهوض من تحت الركام لتصبح مدينة خضراء تعج بالحدائق والمتاحف التي تحكي قصة الأمل بعد الألم. وفي يوكوهاما، ثاني أكبر مدينة في اليابان، يأخذك الميناء المطل على البحر في رحلة بانورامية ساحرة، حيث تلتقي الأبراج الحديثة مع الكورنيش الطويل والحي الصيني النابض بالألوان والنكهات، فتشعر أنك في لوحة مرسومة بروح آسيوية صافية.

لكن من بين كل هذه المدن، كانت كيوتو هي الأجمل والأقرب إلى قلبي، ربما لأنها مدينة سياحية تحمل سحرا خاصا يشبه ما نعرفه في مصر عن شرم الشيخ، فهي واحدة من أكثر المدن اليابانية ثراءً بالمعابد البوذية، فهي كانت عاصمة الإمبراطورية لأكثر من ألف عام، ولا تزال حتى اليوم قبلة الباحثين عن الروحانية والجمال.

أثناء الزيارة، أتيحت لي فرصة فريدة لإجراء عدد من الحوارات الصحفية والتليفزيونية برفقة الإعلامية العزيزة دينا عصمت، كان من بينها لقاء نادر مع أكبر معمرة يابانية ما زالت تحتفظ بذكريات حيّة عن الحرب العالمية الثانية، في حديث ملهم عن الصبر والقدرة على النهوض من تحت الرماد.

كما أجرينا حوارات داخل عدد من الجامعات والمدارس اليابانية، حيث لفتني احترام الطلاب للعلم والمعلم، وشغفهم بالمستقبل، ولم تقتصر اللقاءات على الجانب التعليمي فقط، بل امتدت أيضا إلى مناقشة قضايا التنمية والتعاون الدولي مع المسؤولين عن برنامج جايكا للتنمية، وكذلك مبادرة تيكاد لدعم إفريقيا، وهو ما منحني صورة أوسع عن الدور الذي تلعبه اليابان خارج حدودها، غير أنّ أبرز ما عشته في هذه الرحلة لم يكن فقط في العمل الإعلامي، بل في تجربة شخصية لم أتوقع أثرها.

فقد قمت بزيارة عدد من المعابد البوذية القديمة، وهناك وجدت نفسي أمام مشهد غير مألوف، حيث تسللت إلى داخلي طاقة إيجابية وراحة نفسية عميقة، حتى أنني تعجبت بيني وبين نفسي: هل يعقل أن يشعر المسلم بكل هذا السكون داخل معبد بوذي؟

ففي معبد نيوتشينجي تمتزج أصوات الأجراس الخشبية مع رائحة البخور التي تملأ الممرات، وتجد الزوار يهمسون بأدعية التأمل في صمت عميق، وكأن المكان كله درس صامت في الفلسفة.

زيارة هذه المعابد لم تكن مجرد جولة سياحية، بل كانت تجربة روحية كاملة، حيث شعرت وكأن كل زاوية في هذه الأماكن تبعث نوعًا من الطمأنينة والسكينة، وتذكرك أن الهدوء الداخلي يمكن أن يستعاد بمجرد لحظة صادقة مع نفسك.

هذا التساؤل دفعني إلى لقاء أحد الرهبان البوذيين، الذي كان نموذجا لرجل الدين المسالم، الهادئ والراقي. خلال حديثنا فاجأني بقصة مؤثرة؛ إذ روى أنّ المعبد الذي نجلس فيه كان قد استضاف قبل أسابيع قليلة وفدًا من الأزهر الشريف، حيث أُقيمت صلاة جمعة في ساحة المعبد في مشهد مهيب جمع بين أصوات الأذان وهدوء الأجراس البوذية. كان ذلك بالنسبة لي دليلا حيّا على أنّ الأديان مهما اختلفت في الشكل والممارسات، فإنّ جوهرها واحد وهو البحث عن السكينة والرحمة.

وأوضح الراهب أنّ ما يشاع عن البوذية في الإعلام أحيانا من صور للتعصب أو العنف ليس إلا صورة مشوهة لا علاقة لها بالواقع، فالديانة البوذية – مثلها مثل الأديان السماوية – تدعو في جوهرها إلى التسامح والسلام والمحبة بين البشر. وأكد أن ما يجري في بعض الدول، مثل ما يحدث من انتهاكات ضد المسلمين في ميانمار «بورما» لا يمثل حقيقة البوذية، بل هو انعكاس لممارسات جماعات متعصبة لا تختلف كثيرًا عن الجماعات المتشددة في أديان أخرى مثل «داعش» وغيرها.

خرجت من هذا اللقاء بدرس مهم: أنّ الأديان جميعها على اختلافها، تنبع من رسالة واحدة هي الدعوة إلى السلام، وأنّ التطرف لا دين له، بل هو انعكاس لجهل وضيق أفق. وشعرت بأنّ رحلتي إلى اليابان لم تكن مجرد رحلة سياحية أو مهنية، بل كانت رحلة روحية أضاءت لي زاوية جديدة في فهم الآخر، وأكدت أنّ السلام الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان قبل أن ينعكس على العالم من حوله.