المجد لكاميرات المراقبة!

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

رجل ينزل بسرعة مرعبة، يمسك بسيدة من رقبتها، ثم يقوم بسحلها على السلم، يحاول ابنها أن ينقذها، لكنه يطيح بالطفل، ويستكمل سحل المرأة على السلم من شعرها، أمام أطفالها الثلاثة، مشهد مرعب تظهره كاميرا مراقبة، وقد وثقت الساعة والتاريخ بدقة، فى جريمة مكتملة الأركان وقعت بحق سيدة فى مدينة الزقازيق.

لاقى مقطع الفيديو القصير انتشاراً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعى، لم يكن الوحيد المثير للجدل، حيث توالت عشرات المقاطع التى تظهر مجموعة من الجرائم بدقة شديدة، فهذا قائد موتوسيكل قرر سرقة هاتف أحد المارة فوقع على الأرض، لكن الناس ساعدته ليعدل نفسه من جديد، كى يقف وحين أشهر سلاحه «السافوريا» فى وجه الضحية، ساعده الناس على الهرب وشجعوا الضحية على تجاهل ما جرى والذهاب إلى البيت بسرعة.


قصص ربما لم يكن أحد ليعرف عنها أى شىء لولا كاميرات المراقبة التى لم يعد استخدامها مقصوراً على المحال التجارية أو المبانى الرسمية، ولكنها أيضاً امتدت إلى المنازل كما هى الحال فى واقعة الزقازيق، المبهر هنا ليس أن الواقعة تم تصويرها، ولا أنه تم استخراجها ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعى فانتشرت كالنار فى الهشيم، ولكن فى أن الضحايا لم يتقدموا ببلاغات ولم يتوجهوا إلى أقسام الشرطة حتى لتسجيل ما جرى، لكن الوقائع وصلت، وتم ضبط المتهمين فى الواقعتين المذكورتين الأولى بالزقازيق والثانية بالأميرية، وغيرها الكثير من الوقائع التى لا تلبث تنتشر حتى تقوم الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والتى يتابعها أكثر من 11 مليون مصرى بنشر التحديثات بشأن الواقعة والقبض على المتهمين فيها.


طفرة بدأت مع القانون رقم 151 لسنة 2019 الخاص بالمحال العامة، الذى اشترط وجود كاميرا مراقبة للحصول على ترخيص، وكذلك لهؤلاء الراغبين فى تقنين أوضاعهم، تجربة بدت نافعة للدرجة التى دفعت البعض لاستخدام الكاميرات ذاتها فى محيط المنازل وعلى أبواب الشقق من دون قانون أو لائحة، مسألة ينطبق عليها قول الفيلسوف اليونانى ماركوس أوريليوس: «كل شىء ذو نفع هو رائع وجميل».
ثمة قفزة تستحق التأمل بشأن كاميرات المراقبة فى مصر، فبعد أن كان حجم سوق كاميرات المراقبة الرقمية فى مصر يقدر بنحو 70 مليون دولار سنوياً عام 2018، قفز الرقم بمعدل نمو 10% سنوياً بحسب تقديرات غير رسمية، كما زاد معدل الطلب على الكاميرات بما لا يقل عن 25% سنوياً.


ليس هناك رقم أكيد لعدد الكاميرات المنتشرة فى أنحاء المحروسة، حيث يشير البعض إلى أنها ربما 13 مليون كاميرا، تلك التى تم استيرادها خلال العامين الماضيين، ربما أكثر وربما أقل، ولكن الأكيد تلك العين الثالثة والمحايدة تماماً فى الجامعات والمستشفيات، والمصالح الحكومية، والشوارع وحتى المنازل قد أسهمت بطريقة سحرية فى الأمن الوقائى وتحسين منظومة العدالة، عبر التوثيق وإثبات الجرائم بأدلة مادية بصرية، لم يعد الأمر يتعلق بشهادة الشهود وحدهم، جرائم لولا تلك الكاميرات ما كان أحد ليثبتها أبداً.


نتحدث الآن عن كاميرات تناظرية وأخرى رقمية وثالثة لاسلكية بأنواع وأشكال عديدة، تأتى مستوردة من عدة دول، حتى صار للذكاء الاصطناعى دور فى عملها، ويبدو أن الأمر فى تطور لافت، ما زالت جملة قالها أحد الجيران قبل فترة تراودنى حيث بدا متحمساً، وهو يقول: «يجب أن نجمع المال من السكان لتركيب كاميرات حول العمارة، مجرد معرفة اللصوص أن المكان مراقب بالكاميرات يدفعهم إلى التراجع قبل ارتكاب الفعل لأنهم صاروا يعلمون أن فرص الإفلات فى وجود فيديو شبه معدومة».


هكذا صارت كاميرا بحجم راحة اليد أداة مذهلة من شأنها أن تقلل الجرائم من ناحية، وتوفر أوقاتاً طويلة من البحث ومحاولات التحرى، خاصة فى القضايا الممتدة وتلك التى تدور حول نمط إجرامى معين، فضلاً عن تسريع التحقيقات، أتمنى أن أرى خلال السنوات القليلة المقبلة مصنعاً مصرياً خالصاً متخصصاً فى صناعة كاميرات المراقبة المتطورة، وأتخيل منذ الآن كيف سيبدو الأمر إن انتشرت بصورة أكبر وأعمق من الشمال إلى الجنوب.