لماذا لم يمت جمال عبد الناصر؟
لفت انتباهي صدور كتاب جديد عن جمال عبد الناصر، نشرته دار لبنانية لباحث إنجليزي، جريدة مصرية كبيرة نشرت عن الكتاب بتوسع، وأشارت إلى مقتطفات من الكتاب، وسواء ما جاء في الكتاب بعضه إيجابي أو بعضه سلبي فإنّ اللافت أنّ عبدالناصر بعدد موته بخمسة وخمسين عاما ما زال حيّا في ذاكرة العالم، ليس في الذاكرة العربية التي سعى حثيثا لتوحيد أمتها ودفع حياته ثمنا لهذا الهدف الثمين، لكن في ذاكرة العالم، فالكتاب الجديد كتبه باحث بريطاني وسواء كان يمدح أو يقدح في عبدالناصر فكما قلت إنّ اللافت هو وجود الرجل على الساحة بعد موته بخمسة وخمسين عاما وهو أمر يندر حدوثه حتى مع كبار الزعماء في التاريخ وفي الدول الكبرى.
منذ أيام دار نقاش ساخن بيني وبين صديقتين بشأن عبدالناصر وسياساته، الصديقتان تميلان إلى اعتباره السبب في كل المصائب التي تعيشها البلاد بعد زوال عهد الملكية، وبالطبع بعد قليل من المناقشة وجدت أنّه من الأفضل إنهائها لأن الطرف الآخر كان متمسكا بكل الترهات التي قيلت عن عبد الناصر، وأنا شخصيا ليس لدى مانع من أن تعترض وترفض سياسات عبد الناصر لكني أرفض تماما شيطنته ووصفه بأوصاف من نوع أنه كان يحمل حقدا طبقيا ضد الأغنياء وأنّه كان ينتقم بالتأميم ممن كان يحقد عليهم، وأنّ الدولة في عهده تراجعت اقتصاديا بعدما كان اقتصادها – متين جدا – وأنّ التعليم والصحة والإسكان وكل المجالات تراجعت.
بصراحة تامة أرفض هذه الأقاويل المرسلة التي تدحضها البيانات الرسمية والإحصاءات ونتائج الخطط الخمسية وحجم الديون التي لم تكن إلا لثمن السلاح القادم من الاتحاد السوفييتي، وقد ألغى السوفييت تلك الديون التي لم تكن تزيد على 1.8 مليار دولار في وقت كان فيه الدولار بثلاثين قرشا.
اللافت أنّ فيديوهات لا حصر لها يتحدث فيها شخصيات من البارزين عن عبدالناصر بكل رقي واحترام وتوقير، والأغرب أنّ عددا منهم ممن اعتقلوا في عهد عبدالناصر وكانوا أول من بكوا على رحيله، بل إنّ أحدهم وهو المفضل عند الشباب، الدكتور أحمد خالد توفيق أجاب على سؤال للمذيع: لو عاد بك الزمن، في أي عصر كنت تحب أن تعيش ؟ قال الدكتور خالد توفيق: كنت أتمنى أن أعيش في عصر جمال عبدالناصر، وشرح الدكتور خالد رأيه وكيف نهضت ثورة يوليو وجمال عبدالناصر بالبلاد وأشار إلى أرقام حققتها البلاد في الرعاية الاجتماعية والاقتصادية والتعليم والصحة وغيرها، وقال: كنت أتمنى أن يكتمل الحلم أو أموت يوم 4 يونيو 1967، أي قبل النكسة.
كان عبدالناصر ومازال استثنائيا، ولا يرى البعض ذلك، ليس عن عمد وإنما عن جهل بحقائق حدثت ودارت وسجلها تاريخ لم يقرأونه، وأتمنى أن يقرأ الجميع التاريخ من كتاب الحقيقة وليس من مواقع التواصل الاجتماعي.