«نوفل».. طباخ «جباليا» لم ترحمه نيران طائرات الاحتلال
«نوفل».. طباخ «جباليا» لم ترحمه نيران طائرات الاحتلال
فى أزقة مخيم «جباليا»، شمال قطاع غزة، عرف الجميع الشاب العشرينى محمد رياض نوفل، بابتسامته العريضة، وروحه المرحة التى لا تهدأ. تصفه شقيقته «هديل» بأنه كان خفيف الدم، يضحك الجميع حتى فى أكثر اللحظات جدية، ويحوّل أى لقاء إلى سهرة لا تُنسى، فأينما جلس اجتمع حوله الأصدقاء والأقارب، وكأن حضوره «مغناطيس» يجذب الانتباه، ويزرع البهجة.
تحدّثت «هديل» عن شقيقها، الذى اغتالته طائرات الاحتلال قبل أيام، أثناء تأدية عمله الصحفى، ووصفته بأنه كان كريماً بطبعه، بيته أشبه بمطعم مفتوح لأصدقائه، لم يكن يقبل أن يزوروه دون وليمة عامرة بالمفتول أو الفطير أو المحاشى أو المشاوى، ورغم أنه يُتقن الطهى للأكلات الثقيلة، كان يحب تحضير أكلات خفيفة بطريقته الخاصة. وأضافت: «محمد متل ما بنحكى، نَفَسه حلو فى الأكل، يعنى مثلاً ماكانش فيه حدا فى العيلة بيعمل صحن فول وبطاطا وبيض أزكى منه، وكان من عادته إنه يحب يشارك أكله مع أى شخص موجود»، حتى فى أحلك أيام الحرب والمجاعة، التى تفتك بأهالى غزة، كان «محمد» يجمع أصدقاءه، ويطبخ بما توافر لديه.
تابعت «هديل»، بينما كانت الدموع تنهمر على خديها: «كان حريصاً، فى أكثر الأوقات خطراً ورعباً وجوعاً، أن يجمع أصحابه حوله، ويضلوا مع بعضهم، ما كان فيه أطيب من قلبه، ولا أحلى من ضحكته»، وبعيداً عن المرح والمطبخ، قالت الشابة الثلاثينية إن شقيقها كان شخصاً مُرتباً للغاية، إذ لا يترك تفاصيل بيته دون ترتيب، يغسل الستائر بنفسه، ويهتم بكل زاوية، وكان حلمه الكبير تأسيس بيت الزوجية. فى 30 أكتوبر 2023، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية عمارة عائلته، حيث كان «محمد» داخل شقته مع أصدقائه وأفراد عائلته، فاستُشهد 11 منهم، ونجا هو بأعجوبة، وأصيب بحروق وكسر فى الحوض. واختتمت بقولها إنه رغم ما عاشه «محمد» من ويلات الحرب بكل وجوهها، بداية بالقصف، ومروراً بالحصار وفقدان البيت والسيارة والمال، وصولاً إلى الجوع والمجاعة، ظل شقيقها محتفظاً بجوهره حتى اللحظة الأخيرة: «لحد آخر لحظة، ضحكته ما فارقت وجهه، وكرم قلبه وحبه للناس ضل متل ما هو، يعنى رحل جسده، لكن بقيت قصته بنحكيها لكل حبايبه، كيف يمكن لشخص واحد يخلى الحياة لها طعم، حتى فى قلب المأساة».