كلاهما نبت شيطانى، وكلاهما يفرز سمومه ممتدة المفعول، زرعتهما قوى الاستعمار فى منطقتنا، ولم يخيّبا الظن، كلاهما يؤدى دوره الوظيفى المرسوم له بأفضل ما يكون، وجودهما يبرّر التدخلات، ويوجد الذرائع لاحتلال الأراضى العربية، إذا اقتضى الأمر.
الحديث هنا عن الكيان الإسرائيلى العنصرى، وجماعة الإخوان الإرهابية، هذان العدوّان اللدودان اللذان يُشهر كل منهما «سيف المقدس» فى وجه الآخر، هما فى الحقيقة توأمان غير شقيقين، وُلدا سفاحاً من رحم الاستعمار، ويرقصان على إيقاع سيدهما المستعمر.
المستعمر يحتاج دائماً إلى تبرير احتلال الأرض، وإبادة الشعوب، واغتصاب حقوقها، وأنشأ الكيانين، ومعهما الوصفة السحرية.. «المقدس»، فهى التى تضمن استدامة المبرّرات، ومن ثم الوجود غير المشروع فى المنطقة.
جماعة الإخوان التى أسّسها المستعمر نفسه عام 1928، تستحضر «الجهاد» و«الحاكمية» لمقاومة المحتل!، تجاهد فى سبيل الله، للوصول إلى السلطة، و«إقامة حكم الله»، إنه الواجب الدينى ضد «الطواغيت»، الدين الإلهى عند «الإخوان» تحول إلى أداة حشد وتعبئة سياسية، تحت شعارات سماوية، لتحقيق أهداف دنيوية خالصة.
وإسرائيل تتكئ بكل ثقلها، منذ إعلانها عام 1948، على «السردية التوراتية»، و«أرض الميعاد» ليست مجرد ادعاء سياسى عابر، لكنه وصية إلهية لا تقبل الجدل، وبناء المستوطنات لا يخرج عن كونه استرداداً لحق اليهود الأزلى، والجيش الإسرائيلى لا يمكن النظر إليه كآلة قتل، لكنه «يد الرب» التى تُحقق وعده لشعب الله المختار.
الدين لدى الطرفين (الإخوان والصهاينة)، ليس مجرد اعتقاد، وإنما صيغة مراوغة للحركة والنشاط، وجواز مرور للاستعمار. والفارق لا يتجاوز بضعة تفاصيل فى السردية المقدّسة.
والعداء العلنى بينهما ليس سوى مشهد هزلى فى مسرحية الأضداد، فالإخوان يصرخون ليل نهار من على منابر المساجد، وعبر الفضائيات: «إسرائيل كيان غاصب»، و«تحرير فلسطين واجب مقدس»، و«على القدس رايحين.. شهداء بالملايين»، وفى المقابل، تلعن إسرائيل الإخوان، وتصنّفهم كإرهابيين، وتُعلن أنهم التهديد الوجودى الأكبر لها، وتستخدم ممارساتها لتبرير كل سياساتها القمعية فى الداخل الفلسطينى، واعتداءاتها على دول المنطقة.
المفارقة «المقرفة» أن إسرائيل التى ترفع شعارها الدينى «أرض الميعاد»، دستورها علمانى، وقوانينها غربية، ولا تشهر «المقدس» إلا عندما تستدعى مصلحتها تدمير غزة مثلاً.
والإخوان يهتفون بـ«الإسلام هو الحل»، لكن خطابهم هذا يتوارى أمام انتهاكات الغرب لكل الدول الإسلامية، وكأنما «الجهاد» فريضة لابتغاء مرضاة الرجل الأبيض، وكما نرى اليوم، إسرائيل تدمّر غزة، والإخوان يصرخون «المقاومة»، هذا العداء المزعوم لم يفلح فى ستر عورتهما، فكلاهما يخدم هدفاً واحداً.. إبقاء المنطقة ممزقة، ضعيفة، ومستنزفة.
الستار يسقط أحياناً، ومن ورائه نرى رقصة الشيطان بين المتحالفين، لضرب أى مشروع تحرّرى حقيقى يُهدّد الهيمنة الغربية على المنطقة وثرواتها، وأى نموذج تنموى مستقل.
الصراع الفلسطينى - الإسرائيلى يتم تصديره الآن كصراع دينى، والمقاومة تحت رايات الجهاد تخدم إسرائيل بتقديمها كـ«ضحية محاصرة»، ويخدم الإخوان بتقديمهم كـ«مقاوم أوحد»، ويستمر الصراع برعاية المستعمر الذى يبيع السلاح للجميع، ويسيطر على الجميع، ويسخر فى قرارة نفسه من غباء الجميع، هدف تقسيم المنطقة إلى «دويلات طائفية، أو دينية»، الذى تروج له إسرائيل صراحة، يتناغم مع مشروع «دولة الخلافة»، ذلك الوهم الذى يعيشه الإخوان.
إسرائيل التى تتعرّض للانتقادات الغربية أحياناً، هى نفسها التى تحصل على مليارات الدولارات سنوياً من الولايات المتحدة، ودعم سياسى مطلق فى المحافل الدولية، وتكنولوجيا عسكرية متطوّرة. وجماعة الإخوان التى تُصنّفها بعض الحكومات الغربية «إرهابية» لأسباب تكتيكية، هى نفسها، يعيش قادتها آمنين فى العواصم الأوروبية، وتحت حمايتها، وتتلقى تمويلاتها من «جهات خيرية» تتحرك فى فلك الاستخبارات الغربية، ويتم التعامل معها كـ«فصيل معارض» عند الحاجة لابتزاز الأنظمة الحليفة أو كبديل «مرحلى» لضرب استقرار دول لا ترضى عنها واشنطن.
ليستمر إذن هذا «العداء المقدس» بين التوأمين الوظيفيين، فلتواصل إسرائيل همجيتها تحت حماية الفيتو الأمريكى، وليواصل الإخوان رفع شعارات الجهاد والحاكمية من منافيهم الآمنة فى أحضان الغرب، ودعونا نسمع تصفيق القوى الاستعمارية من خلف الكواليس لهذا الأداء الرائع.
إنها آلة جهنمية محكمة، الدين مُسلَّح، والعداء مصطنع، والتنسيق سرى، والضحايا هم دائماً نحن.. ولعلنا نستفيق.