محمود الجارحى يكتب.. وداعا القاضي الرحيم
محمود الجارحى يكتب.. وداعا القاضي الرحيم
في قاعة محكمة صغيرة بمدينة بروفيدنس، عاصمة ولاية رود آيلاند الأمريكية وأكبر مدنها من حيث السكان، جلس القاضي فرانك كابريو خلف منصته المعتادة، رجل في أواخر الثمانين، ملامحه تحمل مزيجًا من الهيبة والود، وصوته يملأ المكان دفئًا أكثر مما يملؤه صرامة.
دخلت سيدة مسنّة ترتجف وهي تحمل ورقة مخالفة مرورية، نظرت إليه بعينين متعبتين وقالت: سيدي القاضي تأخرتُ عن سداد الغرامة.. سيدي كنت مشغولة بعلاج ابني المصاب بالسرطان، سيدي لم أستطع أن أختار بين الدواء والغرامة، سيدي سيدي لقد تأخرت كثيرا، وها أنا الآن أقف أمام عدالتكم.
ساد الصمت في القاعة، وانحنت بعض الرؤوس في حرج، التقط القاضي نظارته ووضعها على الطاولة، ثم ابتسم ابتسامة أبوية وقال:
«القانون يقول إن عليكِ دفع الغرامة.. لكن قلبي يقول إنكِ دفعتِ ما هو أثمن منها.. دموعكِ وقلقكِ على ابنك».
ثم رفع صوته مخاطبًا القاعة قائلا:«هذه السيدة لا تستحق عقوبة، بل تستحق دعمًا، الغرامة تُلغى، وأتمنى أن يصل هذا القرار إلى ابنك كرسالة بأن العدالة يمكن أن تكون لها يد رحيمة».
صفق الحضور ولم يكن التصفيق للقرار وحده، بل للإنسان الذي جلس على منصة القضاء، ولم ينسَ أن خلف كل ورقة قضية إنسان.
رحل القاضي فرانك كابريو بعد رحلة طويلة مع العدالة، لكن إرثه ظلّ أكبر من الأحكام التي أصدرها، ترك خلفه درسًا خالدًا، وداعًا القاضي الرحيم.