التمرد والاستغناء عند صنع الله إبراهيم

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

ليت الصحف ووسائل الإعلام نشرت عن الأديب الراحل صنع الله إبراهيم وعن أدبه بعض مما نشرته بعد وفاته. كان صنع الله عازفا عن الأضواء وبريقها والشهرة ونشوتها ولكنه كان يستحق ان يقرأ رأي الناس فيه.

لم أعرف صنع الله شخصيا أو بصورة مباشرة لكني قرأت بعض أعماله ووجدت فيها أدبا عالميا بصبغة محلية معبرة عن مجتمعنا وجسد لنا فيه أشخاصا نعيش بينهم ونراهم كل يوم، بل كان أدبه نوعا من التدوين والتأريخ والتسجيل لمراحل زمنية عاشتها البلاد. ورغم أنه ذاق ألم الاعتقال في زمن الرئيس عبد الناصر إلا أنه تحدث عنه بكل ما هو إيجابي وهو ما يؤكد موضوعية الرجل وتجرد الأديب فيه.

يعد صنع الله إبراهيم أحد أبرز الأصوات الأدبية المصرية التي عاشت بعزلة مختارة، عزلة لم تكن انكفاءً على الذات بقدر ما كانت مساحة حرية يخلق فيها عالمه الخاص. من أبرز ما ميّزه صفتان أساسيتان: التمرّد والاستغناء. فالتمرّد عند صنع الله لم يكن مجرد شعار أو نزوة عابرة، بل كان موقفًا أصيلًا من الحياة ومن الواقع.

رفض أن يكون فردًا داخل القطيع، مقيدًا بتقاليد بالية أو أعراف تفرض على الإنسان أن يسير حيث يسير الآخرون. تمرده كان فكريًا وأدبيًا ووجوديًا، وكان يرى في الأدب وسيلة لكسر القيود، لا للتزيين أو المداهنة.

في نصوصه ومواقفه، واجه السلطة بكل أشكالها: السياسية والاجتماعية والثقافية، وأصرّ على أن يكون حرًا في لغته ورؤيته، حتى لو دفع ثمن ذلك عزلةً أو إقصاءً. أما الاستغناء، فقد كان السند الذي أعانه على هذا التمرّد. الاستغناء هنا ليس مجرد زهد مادي، بل هو قدرة إنسانية عميقة على التحرر من شهوة الشهرة، ومن بريق الأضواء، ومن سطوة الرغبة في الاعتراف السهل.

عاش صنع الله في منزل متواضع، بعيدًا عن المجتمع الصاخب، محاطًا بجدار سميك من القيم والمبادئ التي لم يتنازل عنها. آمن أن الكرامة الفكرية والصدق الإبداعي أثمن من أي تكريم أو شهرة زائفة.

سيكولوجية الاستغناء كما جسّدها صنع الله تقوم على إدراك أن الإنسان لا يُقاس بما يملك أو بما يقال عنه، بل بما يحافظ عليه من نقاء داخلي وحرية شخصية. من يستغني عن الزائف، يملك الحقيقي؛ ومن يترفّع عن الركض وراء القطيع، يجد ذاته كاملة.

جمع صنع الله بين التمرّد الذي كسر به قيود الأعراف، والاستغناء الذي صان به استقلاله الداخلي. وبهذا صنع نموذجًا نادرًا في الثقافة العربية: أديبًا حرًا، لم يساوم، ولم يبدل، وعاش كما أراد هو لا كما أُريد له.