لماذا «فرج فودة.. مفكر واجه الظلام»؟

شريف سعيـد

شريف سعيـد

كاتب صحفي

مَن هو د. فرج فودة؟ استفهام لو طرحناه على مواقع التواصل، فسوف نجد - فى الغالب- صعوبة فى العثور على شاب عشرينى أو ثلاثينى يجيب عنه إجابة كاملة وسليمة. على أى حال، إن الأكثر وجعاً من اغتيال مفكر مصرى وطنى حارب بحبر قلمه جماعات الإرهاب فى أوج عنفوانها، هو ترْك سيرته نهباً لآليات التشويه المنظم على مدار عقود داخل مصر وخارجها! من هنا كانت الحتمية التى دفعت قناة الوثائقية بشركة المتحدة للخدمات الإعلامية إلى إنتاج فيلم «فرج فودة.. مفكر واجه الظلام»، وتقديم القصة الكاملة عنه، فلا يكون مصير المروية الحقيقية فى حارتنا النسيان!

إن أصخب ما تجاسر عليه د. فرج فودة فى مواجهته طيور الظلام، هو أنه شرع يكشف ما رأى أنه مسكوت عنه فى التاريخ السياسى للمسلمين، وذلك فى إطار محاججته المتأسلمين سياسياً الذين سعوا إلى إرهابنا وحكمنا، وتقويض الدولة المدنية، ونقض الفكرة القومية، دون برنامج سياسى، مكتفين بدعواتهم التبشيرية للناس بالماضى والعودة إلى وراءٍ يُخدرون البسطاء به! مستندين فى ذلك إلى عدم اطلاع العوام على كثير مما غاب عنهم. لقد أتقن فودة كيف يواجه الخصوم بنفس مراجعهم، ويوجعهم بمنطقه، فشوهوه، ثم كفَّروه، ثم قتلوه! وإذا كان الإرهابيان «أشرف إبراهيم» و«عبدالشافى رمضان»، ومَن وراءهما من المتطرفين، قد تلطختْ أيديهم على نحو مباشر بدم فودة، فإن غيرهم قد تورطوا أيضاً فى اغتياله، وذلك حين زيَّنوا للقاتلين مسرح الجريمة بسُم الفتاوى من بعد العجز عن مجابهة الفكر بالفكر، فظلوا بعيدين عن حبل المشنقة، وجدران الزنازين، لكن عند الله -ذات يوم- سوف تجتمع الخصوم، وإلى أن يأتى هذا اليوم، سيبقى أسمى ما أفنى فيه د. فرج فودة عُمره هو المكافحة الفكرية للإرهاب.

إن الصهيونية ليست هى تعاليم نبى الله موسى عليه السلام، مثلما أن تاريخ الإمبراطوريات المسيحية ليس هو المسيحية كديانة سماوية، كذلك أحداث تاريخ المسلمين وسياسات ممالكهم ليست مرادفاً للإسلام، وحاشا لله أن تكون حجة عليه، والخلط بين كل هذه الأمور هو التجارة التى احترفتها جماعة الإخوان الإرهابية، وكذلك كل إفرازاتها المسلحة.

وكان د. فرج فودة يؤمن بأن الناس إذا أعادوا قراءة أمهات كتب التاريخ وتدبَّروا فإنهم سيكتشفون مدى الخلط الذى لا تريد لهم قوى التأسلم السياسى اكتشافه، ولحظتئذ ستبور بضاعتهم! وهذا تماماً هو ما أقدم عليه د. فرج فودة بجرأة وببساطة، إلى الحد الذى دفع قوى الإرهاب، كما ثبت فى أوراق التحقيقات، إلى بحث خيار الخلاص منه بسكب البنزين عليه وحرقه بالنار! لكن ماذا يعنى ذلك؟ يعنى أن قوة المكافحة بالفكر لا تقل عن قوة المكافحة بالأمن. صحيح لقد تحمَّل رجال الجيش والشرطة -على مدى سنوات طوال- عبئاً ضخماً فى مكافحة التطرف والإرهاب، لكن إلى جوار المواجهة الأمنية، لا بديل عن شجاعة المواجهة الفكرية، وهى ما خاضها بجسارة د. فرج فودة على الملأ فى كتبه ومقالاته، ومقابلاته ومناظراته، ثم دفع حياته ثمناً لها. إن الإرهاب نابع من تطرف، والتطرف فى الأصل فكرة، وفى معركة صناعة الوعى، لا يفل الأفكار إلا الأفكار.

فى النهاية، عند مشاهدة فيلم «فرج فودة.. مفكر واجه الظلام»، اتفق أو اختلف مع أفكار الشهيد -بإذن الله- كيفما تشاء، فهذه هى حريتك، التى حرص عليها فى مناظرته الأخيرة بمعرض القاهرة الدولى للكتاب سنة 1992، حين أشار إلى أنها إحدى ثمار الدولة المدنية، لكن ما هو مُتفق عليه وغير مختلف حوله، أنه كاتب مصرى ووطنى، وحر، وشجاع، واجه بكلماته كل جماعات الإرهاب، ودفع حياته مقابل ما يؤمن به. رحم الله المفكر الشهيد د. فرج فودة.