الإعلام.. العقل البديل لتشكيل الوعي

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

أضحى الإعلام اليوم أحد أهم القوى المؤثرة في تشكيل الوعي، وقد أدركت الجماعات الدينية خطورة هذه الأداة مبكراً، واليوم جعلته عنصرًا محوريًا في بقائها وانتشارها، ووسيلة أساسية لإعادة إنتاج خطابها الأيديولوجي، (جماعة الإخوان نموذجا)، فشكل الإعلام بمختلف وسائطه أحد أبرز اهتمامات الجماعة، ومنذ عام 1933 ظهرت للإخوان وسائل إعلامية متعددة من مجلات وصحف يومية وأسبوعية وشهرية، أبرزها مجلة النذير الأسبوعية، وجريدة الإخوان اليومية، ومجلة الإخوان، ومجلة الدعوة، ومع بروز الإنترنت، أولت الجماعة اهتمامًا مبكرا بالإعلام، وأسست منابر متعددة لها.

في المراحل السابقة من تاريخ هذه الجماعات كان تشكيل الوعي يتم عبر الخطب الحماسية، والمحاضرات الدعوية، والكتب المؤدلجة، وهي وإن كانت تحمل انحرافات فكرية واضحة، إلا أنها أوجدت قضايا تطرح للنقاش، وموضوعات يمكن أن يدور حولها جدل وحوار وتفكيك وتنفنيد، أما اليوم فقد اختلف المشهد تمامًا؛ إذ أصبح الإعلام بمختلف وسائطه – من قنوات فضائية، ومنصات رقمية، ومحتوى بصري سريع التداول – هو الأداة الأبرز في صياغة الرؤية وتوجيه العقول، ولم يعد ثمة مجال لقضايا أو موضوعات قابلة للنقاش، بل صارت الرسائل الإعلامية تُبث وفق أطروحات لا ترقى لمجرد النقاش أصلًا، وإنما تعمل على إعادة إنتاج المواقف وترسيخ الولاءات.

وكان المفترض أن يتماهى الإعلام – ولو شكليًا – مع الشعارات التي ترفعها الجماعة حول الربانية والطهرانية والأخلاق والشريعة، إلا أن واقع الممارسة يظهر وجها آخر يتمثل في الانشغال بتشويه الخصوم ومعارضة المختلفين والتحريض، الأمر الذي جعل من الإعلام ليس مجرد أداة تابعة للتنظيم، وإنما صار قائد فعليا يوجه ويعيد صياغة بنية الجماعة ويشكل وعي شبابها، بدلا من المراجع والأدبيات العلمية المعتادة، وممن رصد هذه الظاهرة الدكتور ضياء رشوان في مقالات نشرها بموقع "العين" الإخباري.

غير أن الملمح الأخطر تمثل في بقاء القيادة التنظيمية حتى العقد الأخير هي الجهة الوحيدة التي تدير الإعلام وتعتبره مكملاً لأنشطتها التقليدية: من تجنيد وتنظيم وتحركات جماهيرية، حيث ظل الهدف المركزي لاستمرارها هو استقطاب أعضاء جدد عبر وسائلها الموروثة.

أما التغير الجوهري فكان انتقال الإعلام من كونه تابعًا للجماعة إلى موقع القيادة لها، بحيث صار هو الذي يصوغ عقلية الشباب عبر الأخبار والتحليلات والبرامج ورصد العثرات هنا وهناك، ومن ثم أصبح التشويه السمة المهيمنة على عقلية الشاب المسلم المعاصر (الحركي) في القرن الحادي والعشرين، وتوارى حضور الجماعة التنظيمي وحل محله إعلام معارض ومحرض ومتضارب، لكنه يظل رافعًا شعار: "الله غايتنا ونحن الجماعة الربانية"، وقد كتب الدكتور ضياء رشوان مقالات متعددة تناولت هذه القضية.

وهكذا يتضح أنّ الإعلام لم يعد مجرد أداة دعائية، بل تحوّل إلى عقل بديل يصوغ وعي أتباعها ويعيد تشكيل رؤيتهم للواقع، بحيث بات هو المرجع الأول في كل شىء، وتحول من وسيلة إلى سلطة مستقلة ووعاء مستقل يهيمن على العقول والاتجاهات، وقد تناولت في مقال سابق في هذه الجريدة كيف عمل إعلام الجماعة على إسقاط المرجعيات، والتأسيس للثقافة الفوقية والثقافة التبريرية والاستعلاء والتسطيح ومناطحة الأقدار وبيع الأوهام والطرح الفراغي.