الفقه والدراما
اندهشت وأنا أتابع مناقشة رسالة دكتوراه حول الأحكام الفقهية في الأعمال الدرامية، دراسة فقهية وتحليلية. مصدر الدهشة هو نفس مصدر الدهشة عندما قرأت خبر انعقاد مؤتمر النوازل الفقهية في العلوم الفضائية! التساؤل واحد ما هو علاقة الفقه بالدراما بعلوم الفضاء أو بالفيزياء أو بالمفاعلات النووية! لماذا هذا الشغف بإقحام الدين في مسائل مستحدثة لا علاقة للفقه بها؟ فالدراما فن وافد من اليونان على العرب، الذين كان فنهم الأول هو الشعر لا المسرح، فالمعلقات مثلاً لم يكن فيها مسرح أو صراع درامي على مستوى الصراع الدرامي في مسرحيات أسخيلوس أو سوفوكليس أو يوربيدس، حتى عندما كتب أرسطو كتابه عن فن الشعر كان حديثه ينصب بالأساس على فن الدراما، عن التراجيديا والكوميديا، وضع الأسس التي كانت مجهولة تماماً في الجزيرة العربية وفي زمن الرسول والخلفاء الراشدين، رسالة دكتوراه مرة واحدة لافتعال علاقة وهمية وولادة مبتسرة وافتعال تعسفي لتركيب قطع بازل من فقه على الدراما مستحيلة التركيب، من يحكم على الدراما ليس المشايخ على الإطلاق.
من له حق الحكم على الدراما هم كتاب ونقاد الدراما، من الذين درسوا الأدب اليوناني والإنجليزى والفرنسي، ونشأة المسرح، والفرق بين التراجيدي والكوميدي، وما هو التطهر؟ وما هى الذروة؟ ومن هو شكسبير، ومن هو موليير؟ من أمثال لويس عوض، محمد مندور، رشاد رشدي، سمير سرحان، عبدالعزيز حمودة، هدى وصفى، فوزي فهمى.. إلخ، لكن أن نناقش الدراما بميزان الحلال والحرام، فهذه كارثة تحمل خطراً كبيراً على الاثنين، الدين والدراما، وقد جربناها في الرواية من قبل، وليست رواية أولاد حارتنا ببعيدة، وهى التى راح ضحيتها أديبنا الكبير نجيب محفوظ حين تم تكفيره بسببها، وأيضاً رواية وليمة لأعشاب البحر التى جيشت المظاهرات ضدها في مصر حين فرضت عليها الرؤية الفقهية المزعومة، وسقط ضحايا من المتظاهرين ومن الشرطة، وجربناها في المسرح حين مُنعت مسرحية الشرقاوي عن الحسين بسبب قرار من شيوخ اتهموا المؤلف بالتشيع! لا أجد أجمل من الحوار العبقري الذى كتبه المخرج داود عبدالسيد فى فيلمه مواطن ومخبر وحرامي ما بين الثلاثة، عن رواية بطل الفيلم التي كتبها واعترض عليها أحد أبطال الفيلم وهو شعبان عبدالرحيم، وأطلب منكم مشاهدته عندما اعترض على عدم وجود أدان في الرواية، ولنستمع إلى قول د. صلاح فضل فى تلك المسألة حين قال في أحد الحوارات:
ارتقاء الوجدان لا يقل أهمية عن ارتقاء الأشياء الأخرى، لكن ليس بالتحكيم الديني يرتقى الوجدان، بل بالاحتكام إلى المختصين، ولا ضرورة لاستخدام الدين في هذا، لأنه يخضع للتأويل الذي يصيب مرة ولا يصيب مرات، وفي كل الأحوال يصيب المبدع بالجبن ويعوق الإبداع العظيم.