تبعات نزع سلاح حزب الله

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

لا تخفت قضايا المنطقة أو تهدأ ولو للحظات. قضية غزة مشتعلة منذ عامين بدون حل إلا المجازر والمذابح والتجويع الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين بينما العالم يشاهد ولا يفعل شيئا. قضية سوريا جاهزة للتفكيك والتهام الجولان على الأقل من هذا البلد العربي القومي العريق. وتنتظر الضفة الغربية ابتلاع إسرائيل لها في أي وقت. وتمرح القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان كما يحلو لها بدون رادع. وفوق كل ذلك فإن نتنياهو يرفع خريطة محددة الخطوط لإسرائيل وبها كل الأراضي العربية المستهدفة بدون أي خجل أو حتى مواربة.

من بين القضايا المشتعلة قضية نزع سلاح حزب الله. أمريكا وإسرائيل تصران على نزع السلاح حتى يكون هناك هدوء على جنوب لبنان. الكل يعلم أن أمريكا وإسرائيل ليس لهما عهود يحرصون على التمسك بها، لذلك من المتوقع أنه بعد نزع سلاح حزب الله الذي يمثل نوعا أو نسبة من الردع لإسرائيل أن تفعل دولة الكيان الصهيوني بلبنان وبحزب الله ما تشاء.

لكن نزع سلاح الحزب يتوافق مع هوى الحكومة اللبنانية التي أصدرت قرارا بهذا المعنى في أوائل أغسطس الحالي. وكلف مجلس الوزراء الجيش بإعداد خطة مرحلية لوضع سلاح جميع المجموعات غير الحكومية تحت سلطة الدولة، بدءًا من الجنوب وفقًا للقرار 1701، مع جدول زمني للتنفيذ بنهاية العام.

الحزب أعلن رفضه التجريد الشامل من السلاح قبل وقف الضربات وانسحاب إسرائيل من نقاط حدودية، وتحذير من اضطرابات داخلية إذا فُرض نزع السلاح بالقوة. في نفس الوقت تدفع أمريكا الموقف الإقليمي بأسلوب «خطوة بخطوة» وتطالب إسرائيل بـ«التزامٍ متبادل» إن مضى لبنان في خطته، فيما تربط عواصم خليجية أي دعم مالي كبير بجدية تطبيق مسار نزع السلاح وتعزيز الدولة. في نفس الوقت تعمل الرئاسة اللبنانية بقيادة جوزيف عون الرئيس المنتخب في يناير الماضي على توفير غطاءً سياسيًا أقوى لنهج «تقوية الدولة والجيش» وتنفيذ القرار 1701.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو رفض حزب الله تماما نزع سلاحه؟ يقول البعض أنه يجب أن تكون هناك مظلة أممية لهذه الخطوة مع الاستمرار في الضغوط الدبلوماسية المزدوجة وكذلك الضغوط الاقتصادية (عقوبات شبكية على القنوات المالية واللوجستية)، بشرط أن كل تقدم لبناني يقابله ضبطٌ إسرائيلي للعمليات في الجنوب بحسب تسلسل «خطوة مقابل خطوة». وتعزيز دور اليونيفيل والجيش اللبناني جنوب الليطاني مع مراقبة مشددة على الصواريخ والطائرات المسيّرة .

أما إذا استمر الرفض من جانب الحزب فإن من خيارات التصعيد تكثيف الضربات الإسرائيلية المحدودة لفرض «منطقة نظيفة» جنوب الليطاني، دون حرب شاملة إن أمكن. وتوسيع العقوبات الأميركية/الأوروبية لتشمل واجهات اقتصادية وبلديات وجمعيات مرتبطة. وكذلك التصعيد القانوني الدولي عبر قرارات وبيانات تُدين خرق القرار 1701 وتطالب بإجراءات تصحيحية.

إن تعقد موضوع سلاح حزب الله يدفع البعض إلى الخيار الواقعي وهو التمسك بقرار «حصرية السلاح بيد الدولة» مع تنفيذ تدريجي يبدأ من الجنوب، وتكليف الجيش بخطة قابلة للتطبيق (ضبط المظاهر المسلحة الثقيلة، مخازن، مسيّرات)، مقابل رزمة حوافز اقتصادية دولية. ووضع خط أحمر داخلي بتجنّب مواجهة أهلية مباشرة مع الحزب؛ أي تطبيق بالتراضي المرحلي وتحت رقابة دولية، مع ربط كل مرحلة بتراجعٍ مماثل في العمليات الإسرائيلية وانسحابات تكتيكية من نقاط متنازع عليها , مع ممارسة أدوات ضغط غير عسكرية مثل اتخاذ إجراءات مالية- قضائية (تجفيف التمويل غير الشرعي)، وإصلاحات حوكمية تمنح الدولة شرعية خدمية داخل البيئة الشيعية تقلل الحاجة إلى «السلاح كضمانة».

في جانب آخر ان يكون هناك استعداد خليجي لمساندة مالية أو استثمارية وإعادة إعمار إذا سارت بيروت بخطوات ملموسة نحو تطبيق القرار 1701 وتقوية الجيش والقضاء والرقابة على الحدود. أي أن المحفزات الاقتصادية تصبح أداة تفاوض مع الحزب عبر الدولة. بجانب أدوار الوساطة التي تقوم بها مصر وقطر (ضمن «الخماسية» مع السعودية والولايات المتحدة وفرنسا) لبلورة صيغة أمنية-اقتصادية تُخرج الجنوب من الاشتباك المزمن دون إذلال طرف.

الهدف والنتيجة خفض خطر الحرب الواسعة مع بقاء ملف السلاح الاستراتيجي (الصواريخ البعيدة/الدفاع الجوي) قيد تفاوض أطول.

لكن إذا استمر رفض الحزب فإن إسرائيل ستواصل استهدافات دقيقة؛ وواشنطن ستُصعّد عقوبات قطاعية؛ حيث تحصل الدولة اللبنانية ت دعمًا محدودًا لا يكفي للإنعاش. والنتيجة: نزيف أمني-اقتصادي مع مخاطر انزلاق، لكن دون اجتياح شامل. وخسائر بشرية واقتصادية جسيمة وإعادة إنتاج «ستاتيكو» أسوأ مما كان.

إن أمريكا وإسرائيل تريان أن سلاح الحزب ليس ملفًا لبنانيًا صرفًا؛ هو جزء من شبكة تموضع إيرانية في الإقليم. أي تسوية مستدامة تحتاج ترتيبات أوسع (حدود/غزة/سوريا/الملف الإيراني). لذا يُرجّح أن يكون المسار تقليصًا وظيفيًا للسلاح في الجنوب قبل أي بحث في القدرات الاستراتيجية. لكن بشرط أن أي خطوة لبنانية كبيرة تحتاج مقابلًا إسرائيليًا ملموسًا (وقف ضربات، انسحاب من نقاط، ترتيبات حدودية)، وإلا ستنتج كلفة سياسية داخلية على الحكومة وتُضعف قدرتها على الاستمرار.

إذا أصرّ الحزب على الرفض، فالأرجح لا حرب شاملة سريعًا بل مزيج من الضغوط والعقوبات والعمليات المحدودة، ونجاح هذا المسار يتوقف على تزامن خطوات متبادلة (لبنانية/إسرائيلية) وضمانات عربية-دولية تمنع الانهيار الداخلي وتحوّل نزع السلاح من معركة صفرية إلى صفقة أمن-اقتصاد قابلة للحياة.