محمود مرزوق يكتب: تغريبة توت عنخ آمون!

كاتب صحفي

منذ أن أزيح غبار الزمن عن مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، اجتاح العالم الغربى هوس غير مسبوق بمصر القديمة، أطلقوا عليه اسم Egyptomania. صار اسم الفرعون الصغير مرادفا للشهرة التى ملأت الآفاق، وأُطلق اسمه على كل ما يمكن تخيله من سلع وخدمات، حتى إن بعض الحانوتيين فى بريطانيا وأمريكا روّجوا لخدمات الدفن «على طريقة توت عنخ آمون»!

ذلك الشغف لم يتوقف عند حدود السلع والخدمات، بل تحول إلى محاولات متكررة من متاحف أوروبا لاستعارة كنوز الملك الذهبى، لكن الحكومات المصرية قبيل ثورة يوليو رفضت بحزم جميع العروض، متمسكة بقاعدة صارمة تقول: «مَن أراد أن يرى توت، فليأتِ إلى مصر». وكان هذا الموقف أيضا يعكس قدرا من الحذر تجاه أطماع القوى الاستعمارية فى أشهر ما تمتلكه مصر من آثار. حاولت بريطانيا تحقيق مكاسب مالية كبيرة مستغلة حالة الولع غير المسبوقة بالملك توت، وجاءت الفرصة فى المعرض الإمبراطورى فى لندن، الذى عرض نسخة مُقلدة من المقبرة وكنوزها، زارها فى اليوم الأول نحو مائتى ألف شخص!


عقب سقوط الملكية وقيام الجمهورية وبناء السد العالى، ظهرت أزمة إنقاذ معابد النوبة من الغرق، فقدّم الغرب عرضاً بدا مغرياً: المساعدة فى الإنقاذ مقابل السماح بخروج كنوز توت فى جولات عالمية. ومع الضغوط الاقتصادية التى كانت تواجهها البلاد، وافقت حكومة «عبدالناصر» مضطرة، لتبدأ تغريبة الفرعون الصغير، ليغادر مصر للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.


عام 1965، انطلقت الجولة الأولى فى طوكيو برعاية صحيفة «أساهى» اليابانية، ثم باريس عام 1967 داخل القصر الصغير، وتوالت الرحلات إلى أوروبا وحتى الاتحاد السوفيتى، أما الولايات المتحدة فبقيت بعيدة عن المشهد بسبب التوتر السياسى مع القاهرة، حتى عام 1974 بعد أن وضعت حرب أكتوبر أوزارها، حين اقترح الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون على الرئيس أنور السادات إقامة معرض لآثار توت فى عدة ولايات أمريكية، كخطوة لفتح صفحة جديدة فى العلاقات بين البلدين.


تحوّلت الفكرة إلى اتفاق رسمى، ووقّع بروتوكولها وزير الخارجية المصرى إسماعيل فهمى مع هنرى كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكى. ولكن ظهرت عقبة كبرى تمثلت فى أن مصر اشترطت التأمين على الآثار كما حدث فى المعارض السابقة، بينما القوانين الأمريكية لم تعرف سابقة كهذه. وبعد نقاشات وسجالات، أصدر الكونجرس قانوناً خاصاً سمح لمجلس الفنون والإنسانيات الأمريكى بدفع تعويض قدره 150 مليون دولار إذا أصاب مقتنيات المعرض أى ضرر! وتحركت كنوز توت عنخ آمون فى سفينة أُعدت لهذا الغرض، بعد أن تحفظت مصر على نقل المقتنيات بالطائرة خشية حدوث ما لا يُحمد عقباه. وللمرة الأولى فى التاريخ يخرج الأسطول السادس الأمريكى فى مهمة غير عسكرية، وهى تأمين وحماية آثار مصرية لا تُقدّر بثمن.


انطلقت الجولة الأمريكية فى نوفمبر 1976 من المعرض الوطنى للفنون بواشنطن، حيث اصطف الزوار فى طوابير تبدأ قبل الفجر، منتظرين ساعات طويلة للدخول. خلال 117 يوماً، سجل المعرض أكثر من 813 ألف زائر، فى مشهد دفع الصحافة لوصفه بـ«حمَّى توت» التى اجتاحت العاصمة. المحطة الثانية كانت شيكاغو، حيث استقبل متحف التاريخ الطبيعى أكثر من 1.3 مليون زائر خلال أربعة أشهر، مع تعديلات طارئة على أنظمة التذاكر وزيادة العاملين لمواجهة التدفق الجماهيرى. أما نيو أورلينز فسجلت 870 ألف زائر وأعلنت عن عائد اقتصادى يناهز 75 مليون دولار. لكن الذروة كانت فى لوس أنجلوس، حيث استقبل متحف الولاية أكثر من 1.25 مليون شخص فى أربعة أشهر، وسط زحام غير مسبوق وصل إلى حد إعادة بيع التذاكر فى السوق السوداء. أما الختام فكان فى نيويورك داخل متحف المتروبوليتان، الذى حطم الأرقام القياسية المسجلة سابقاً من حيث ضخامة أعداد الزوار.


إجمالاً، جذبت الجولة الأمريكية ما يقرب من ثمانية ملايين زائر، ورسّخت مفهوم المعرض التفاعلى الذى يغيّر قواعد العمل المتحفى النمطية، ويحوّل المعروضات إلى قوة ناعمة تثير الشغف وتدر عائدات اقتصادية وسياحية بملايين الدولارات.


وهكذا تحوّل الملك الذهبى، بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام على وفاته، إلى «سفير فوق العادة»، يبعث الحياة فى أروقة السياسة والثقافة والاقتصاد، ويثبت أن للحضارة المصرية سحراً يتجاوز حدود الزمن.