محمود الجارحي يكتب: قصة موت جماعي.. سبع جنازات خلال أسبوعين وجريمة زوجة أب بالسم في دير مواس
محمود الجارحي يكتب: قصة موت جماعي.. سبع جنازات خلال أسبوعين وجريمة زوجة أب بالسم في دير مواس
لم تكن دلجا، تلك القرية الهادئة بمركز دير مواس في محافظة المنيا، تعرف أن أيامها المقبلة ستُكتب بالدموع لا بالحبر، في أسبوعين فقط، شيّعت سبع جنازات متتالية، أبًا وستة من أطفاله، جنازات حملت فوق الأعناق قلوبًا مكسورة، وأرواحًا ذُبحت بلا ذنب، صغار يُساقون إلى الغياب.
كان صباح 12 يوليو من الشهر الماضى مختلفًا، أربع سيارات إسعاف دوت في شوارع القرية، وهي تحمل أجسادًا صغيرة ترتجف من القيء والتشنجات، الأطباء في مستشفى دير مواس حاولوا المستحيل؛ لكن اثنين من الأطفال غادرا الحياة سريعًا، والآخران لحِقا بهما بعد ساعات.
لم يكن في القرية بيت لم تُغلق أبوابه على بكاء، كل من حضر المشهد تمنى أن يكون كابوسًا؛ لكنه كان حقيقة أكثر قسوة من أن تُصدق.
لم تستسلم الأمهات، نُقلت الطفلتان رحمة وفرحة إلى مستشفى السموم بالمنيا وهناك تمسّك الجميع بخيط رفيع من الرجاء؛ لكن السم لم يترك مجالًا للمعجزات، رحلت رحمة أولًا، ثم لحقت بها فرحة بعد أيام.
في كل مرة تُفتح المقبرة العائلية، كان الأهالي يقولون: «اللهم سلّم».. لكن الموت لم يُسلّم القرية من قبضته.
لم يكد الناس يلتقطون أنفاسهم حتى أصيب الأب، ناصر محمد بنفس الأعراض. نُقل إلى مستشفى أسيوط الجامعي.. لكن السم الذي التهم أبناءه كان قد وجد طريقه إلى جسده أيضًا.
رحل ناصر.. ودفن بجوار أطفاله الستة. سبع نعوش صارت شاهدة على مأساة لن تُمحى من الذاكرة.
في البداية، ظن الأهالي أن وباءً غامضًا ضرب الأسرة.. لكن وزارة الصحة نفت وجود أي مرض معدٍ.. جاءت تقارير الطب الشرعي لتضع النقاط على الحروف.. مبيد سام تسلل إلى أحشاء الضحايا.. هنا فقط.. بدأ الخوف يتحول إلى رعب.. من الذي دس السم؟
لم يكن القاتل غريبًا ولا لصًا، كانت اليد التي وضعت السم هي يد مألوفة للأسرة، زوجة الأب الثانية، التي دخلت البيت شريكة في العيش، حوّلت الخبز إلى موت، خلافاتها مع الزوج دفعتها إلى دس السم له؛ لكنها لم تتخيل أن الأطفال سيتناولون معه الطعام، فسقطوا جميعًا في لحظة واحدة، اعترفت أمام جهات التحقيق بعد أن واجهتها الأدلة، والجميع يتساءل، كيف يمكن لامرأة أن تقتل ستة أطفال أبرياء؟، والجميع في صدمة من اعترافات المتهمة بارتكاب الواقعة.
الأم الأولى، أم الأطفال، تحولت إلى ظل إنسان، جيرانها يقولون إنها صارت صامتة، لا تملك حتى دموعًا تبكي بها، أما القرية تحولت إلى بيت عزاء ممتد شوارعه حزينة.. وجدرانه شاهدة على بكاء لا ينتهي.
ربما تُغلق التحقيقات، وربما يُعلن الحكم على المتهمة؛ لكن سيبقى اسم القرية مرتبطًا بسبع جنازات في أسبوعين، بوجوه أطفال رحلوا قبل أن يعرفوا معنى الدنيا، ستبقى جريمة زوجة الأب في دير مواس واحدة من أبشع القصص الإنسانية، قصة موت جماعي لم تصنعه الأقدار، بل صنعته قسوة إنسان.