عار غزة الذي لوث الضمير الإنساني

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

فيديو قصير أرسلته لى صديقة مدته أقل من دقيقتين. الفيلم تركى عن صبى تأثر بمشاهدة أقرانه من أطفال غزة. شاهد جوعهم، أضلعهم النافرة من جلودهم، نظرات الموت المجسدة لما هم فيه. قام الطفل وأخرج من كيس بضعة من قطع الخبز وظل يفتتها ويضعها فى فتحات شاشة التليفزيون. كان كل همه إرسال فتات إلى أقران يموتون، لكن التليفزيون تعطل، وعندما أتى الأب بفنى ليصلح التليفزيون، اكتشف سبب العطل، الفتات الذى كان يضعه الصبى فى التليفزيون.

الفيديو حصد مشاهدات كثيرة، لكنها مجرد مشاهدات، لا تحرك ضمائر الحكام، ولا تؤثر فى مشاعر أصحاب القرارات. ما ذنبهم ليموتوا بهذه الطريقة أو بغيرها؟ ما ذنب الذين أصاب أجسادهم العجز وصاروا لا يستطيعون ممارسة حياتهم بصورة طبيعية؟. هل كان يمكن أن يفلتوا من هذا المصير إذا جاءوا فى زمن آخر؟ هل كان يمكن لحكام آخرين أن ينقذوا هؤلاء الضحايا؟

إن مأساة غزة غير متكررة فى التاريخ. ربما يكون حدث مثلها فى عصور غابرة لم تصور ولم تبث على الهواء ولم تدون بتفاصيلها، لكن الفارق هنا أن مأساة غزة يشاهدها العالم كله على الهواء، ومع ذلك لا تتحرك الضمائر، ولا تسعى دولة كبرى أو صغرى لإنقاذهم. تجتمع دول ومنظمات وأقصى ما تقدمه أن تناشد إسرائيل وقف جبروتها فى مواجهة الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ الذى لا يجدون حتى عصاة يحملونها، لا قنبلة أو بندقية.

من المضحك المبكى ما قيل عن سؤال وجهه صحفى لقائد إسرائيلى: لماذا تهاجمون إيران؟ فرد الإسرائيلى: لأنها تريد أن تملك قنبلة نووية! فسأله الصحفى: لماذا إذن لا تهاجمون كوريا الشمالية؟ فقال الإسرائيلى: لأنها تملك قنبلة نووية! أى إن القوة هى الفيصل والحكم وكل شىء، أى إن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، ولو وجدت إسرائيل قوة تواجهها لما تجبرت وقتلت وشردت وجوعت وعطشت وسعت إلى تهجير شعب بأكمله، ولا يهم إلى أين يهاجرون، المهم والهدف، الاستيلاء على الأرض، الأرض التى ليست لهم.

ترك الجميع شعب غزة لتلتهمه إسرائيل، حتى إخوانهم فى الضفة الغربية لم يقاتلوا من أجلهم، حتى أشقاؤهم -فيما عدا مصر- لم يحاولوا إنقاذهم وهم قادرون على الضغط على الاحتلال الصهيونى حتى من أجل التوصل إلى حل شامل لمأساة شعب فلسطين المنكوب.

طالت ذراع إسرائيل حتى صارت تهدد أوروبا. تلوح بعقاب ألمانيا! بعدما قرر المستشار الألمانى فريدريش ميرتس وقف تصدير أى معدات عسكرية إلى إسرائيل يمكن استخدامها ضد غزة. اتخذ المستشار الألمانى قراره بعدما أعلن نتنياهو خطة السيطرة على غزة. لم يسلم المستشار الألمانى من الهجوم الكاسح سواء من داخل بلاده ومن خصومه الحزبيين وأنصار إسرائيل، ومن إسرائيل نفسها. ما زالت ألمانيا تعانى من سيكولوجية الشعور بالذنب تجاه ما تردد عن حدوثه فى الحرب العالمية الثانية لليهود. يطأطئ الألمان رؤوسهم وكأنهم هم أنفسهم الذين قاموا بهذا الفعل، ولذلك يخضعون للابتزاز الإسرائيلى فى كل صوره. فى الوقت نفسه يتعنتون كل التعنت ضد الفلسطينيين حتى فى حالة لجوئهم، يكتب الألمان فى خانة الجنسية -غير موجودة- أى أنهم محوا الجنسية الفلسطينية إرضاء لإسرائيل.

ما حدث ويحدث للشعب الفلسطينى صورة مطابقة تماماً لما حدث للسكان الأصليين فى القارة الأمريكية بعد غزوها -وليس اكتشافها- من جانب الأوروبيين. جاء مجرمو أوروبا وحثالة شعوبها إلى القارة بجزأيها وقتلوا كل شعبها شمالاً وجنوباً ولم يبق من الأصليين سوى ندرة يتعاملون معها باعتبارها من الأجناس المنقرضة، التى يمكن للناس أن يدرسوها أو يجروا الأبحاث عليها، لكنهم لم يعودوا شعباً ولم يعودوا يملكون أوطانهم التى التهمتها أوروبا.

كم من المآسى التى عانى منها العالم بسبب أوروبا، وما أمريكا إلى نسل من أوروبا، ووصولاً إلى قضية فلسطين ومصير شعب غزة، تلوث ضمير العالم ولم يعد لأحد الحق فى الادعاء بالحضارة والرقى.